هنّ _ خاص
حين يصبح العالم أكثر اعتمادًا على التكنولوجيا، تصبح حماية هذا العالم مسؤولية لا تقل أهمية عن تطويره. وفي قلب هذا المستقبل الرقمي، اختارت الدكتورة شيماء بنت جمعة الهاشمي أن تجعل من الأمن السيبراني مجالًا للعلم والعمل وصناعة الأثر، وأن تسهم من موقعها الأكاديمي في إعداد جيل قادر على فهم التحديات الرقمية ومواجهتها.
وبفضل خبرتها في الأمن السيبراني، ودورها في التعليم والبحث والتوعية، استطاعت شيماء أن تحوّل شغفها بالتكنولوجيا إلى مسار مهني يمتد أثره إلى ما هو أبعد من قاعة المحاضرات. وفي عام 2026، تُوّج هذا المسار بفوزها بجائزة «امرأة الأمن السيبراني لعام 2026»، في تقدير دولي لإسهاماتها في مجال يرتبط بصورة مباشرة بأمن المجتمعات ومستقبلها الرقمي.
في «هنّ.. المستقبل»، نتحدث مع الدكتورة شيماء عن المرأة العُمانية في قطاع الأمن السيبراني، ودور التعليم في بناء الكفاءات، والفرص التي يفتحها الذكاء الاصطناعي، وما الذي تحتاجه عُمان لبناء مستقبل رقمي أكثر أمانًا.
عندما نقول «الأمن السيبراني»، قد يبدو المجال معقدًا بالنسبة إلى كثير من الناس. كيف تشرحين ببساطة ماذا يعني، ولماذا أصبح جزءًا أساسيًا من حياتنا اليومية؟
الأمن السيبراني، بشكل مبسط، يُعنى بحماية حياتنا الرقمية ومعلوماتنا وحساباتنا وأعمالنا من المخاطر والتهديدات، واليوم أصبح جزءًا من حياتنا اليومية، لأننا نعتمد على التكنولوجيا في التعليم والعمل والخدمات، وحتى في تفاصيل حياتنا الشخصية.

ما الذي جذبكِ شخصيًا إلى هذا المجال؟ وهل كان اختيارًا مخططًا له منذ البداية، أم قادكِ إليه الفضول والتجربة؟
في البداية، كان حبي وانبهاري بأفلام الخيال العلمي المستقبلية التي تصور التقنيات المستقبلية واتصالات الفضاء هو الدافع الأكبر. كنت دائمًا مهتمة بفهم كيفية عمل التكنولوجيا.
ومع الوقت، تحول هذا الفضول إلى شغف حقيقي ومسار مهني لم أخطط له بالكامل منذ البداية.
في عام 2026، فزتِ بجائزة «امرأة الأمن السيبراني لعام 2026». بعيدًا عن اللقب نفسه، ماذا أضافت لكِ هذه التجربة، وماذا كشفت لكِ عن الطريق الذي اخترتِه؟
كان التكريم لحظة جميلة، مليئة بالفخر والاعتزاز والتواضع أيضًا، أمام الحضور المتميز من المختصين في المجال، ومن مختلف دول العالم.
لكن بالنسبة لي، كانت القيمة الحقيقية في إدراك أن العمل المستمر، حتى لو كان بخطوات بسيطة، يمكن أن يصل إلى منصات دولية. والأهم أنه زاد من إحساسي بالمسؤولية تجاه تمثيل عُمان وتشجيع الجيل القادم.
كيف ترين حضور المرأة العُمانية اليوم في مجال الأمن السيبراني؟ وهل ما زالت هناك صورة نمطية تجعل بعض الفتيات يعتقدن أن هذا المجال «للرجال» أو يتطلب شخصية تقنية بحتة؟ وما الذي يمكن أن يساعد في تغيير هذه الصورة؟
أرى أن حضور المرأة العُمانية يتطور بشكل جميل وملفت، وهناك نماذج مشرفة جدًا في مجالات مختلفة.
وأعتقد أن الصورة النمطية بدأت تتغير، لكن ما زال أمامنا الكثير من العمل. المهم أن تعرف الفتاة أن الأمن السيبراني ليس حكرًا على الرجال، وليس محصورًا في البرمجة. ووجود نماذج عُمانية ناجحة، وتشجيع الأسرة والمؤسسات، وإتاحة الفرص، كلها أمور تساعد على تغيير هذه الصورة.

ما الذي يمكن أن تضيفه المرأة إلى مجال الأمن السيبراني، ليس فقط كمتخصصة تقنية، وإنما كباحثة وصانعة قرار وقائدة؟ وما الذي تحتاجه المرأة العُمانية اليوم حتى تنتقل من الحضور في هذا المجال إلى مواقع القيادة وصناعة القرار؟
المرأة يمكن أن تضيف الكثير، ليس فقط من الناحية التقنية، وإنما أيضًا من خلال البحث، والإدارة، وصناعة القرار، والقيادة.
وهناك أيضًا دراسات تشير إلى قدرة المرأة وتفوقها في الانتباه إلى التفاصيل والمتغيرات، مما يزيد من دورها وفاعليتها في أداء المهام السيبرانية.
وأعتقد أن الخطوة الأهم هي أن ننتقل من الحديث عن مشاركة المرأة إلى الاستثمار الحقيقي في قدراتها ومنحها فرصًا للقيادة.
وقد نحتاج إلى ترسيخ ثقافة التعليم المستمر، وتعزيز الإرشاد المهني، وإتاحة الفرص، والأهم أن نؤمن بأنفسنا نحن النساء العُمانيات، ونقبل على هذه الفرص بثقة وتواضع، وبإدراك أن المرأة مكملة للرجل، وأن لكل منهما مميزات وقدرات ميّزه الله بها.
هل تخصص الأمن السيبراني مناسب فقط لمن تحب البرمجة والتكنولوجيا، أم يمكن للمرأة أن تجد مكانها فيه حتى لو كانت خلفيتها مختلفة؟ وما المجالات التي ترين أنها ستفتح فرصًا أكبر أمام الشابات العُمانيات خلال السنوات القادمة؟
أبدًا. الأمن السيبراني أوسع بكثير من البرمجة. هناك مجالات في الحوكمة، وإدارة المخاطر، والتحقيق الرقمي، والسياسات، والتوعية، والبحث، والأمن السحابي، وأمن الذكاء الاصطناعي وغيرها.
لذلك أقول دائمًا للطالبات: لا تبحثن عن مجال يناسب الصورة التي تتخيلنها عن الأمن السيبراني، بل اكتشفن المجال الذي يناسب قدراتكن واهتماماتكن.

المهارات التي تحرصين على أن يكتسبها طلبتكِ اليوم؟ وما الصورة التي تتمنين أن تريها للمرأة العُمانية في الأمن السيبراني بعد عشر سنوات؟
أحرص على ألا يخرج الطالب بالمعرفة التقنية فقط. أهم ما أريده هو أن يمتلك القدرة على التفكير النقدي، وحل المشكلات، والتعلم المستمر، والتواصل والعمل مع الآخرين.
وأتمنى بعد عشر سنوات أن أرى المرأة العُمانية في مختلف المحافل الدولية؛ كمتخصصة وباحثة وقائدة وصانعة قرار، وأن تكون لدينا نماذج عُمانية تلهم الأجيال القادمة.
هل هناك عادة رقمية بسيطة تتمنين أن تتوقف عنها النساء خصوصًا، أو أن يبدأن في ممارستها لحماية أنفسهن وخصوصيتهن على الإنترنت؟
أعتقد أن أبسط عادة يمكن أن تحدث فرقًا هي عدم استخدام كلمة مرور واحدة لكل الحسابات، وتقليل أو تقنين مشاركة البيانات الشخصية في وسائل التواصل الاجتماعي، بحيث تكون المشاركة واعية وليست عشوائية.
وأتمنى أيضًا أن نتوقف قليلًا قبل الضغط على أي رابط أو مشاركة أي معلومة شخصية. أحيانًا، دقائق بسيطة من الانتباه يمكن أن تحمينا من مشكلات كبيرة.

مع دخول الذكاء الاصطناعي في تفاصيل حياتنا، ومع اعتماد عُمان المتزايد على الخدمات الرقمية، ما أكثر ما يثير حماسكِ بشأن مستقبل الأمن السيبراني؟ وما الذي تتمنين أن تكون عُمان قد نجحت في تحقيقه في مجال الأمن الرقمي بحلول عام 2040؟
ما يثير حماسي هو أن الأمن السيبراني أصبح جزءًا أساسيًا من التحول الرقمي في السلطنة، وليس مجالًا منفصلًا عنه.
ومع الذكاء الاصطناعي، ستظهر فرص جديدة، ولكن ستظهر أيضًا تحديات جديدة تحتاج إلى متخصصين وباحثين قادرين على فهم هذه التقنيات وحمايتها. وبحلول 2040، أتمنى أن نرى عُمان نموذجًا في بناء بيئة رقمية آمنة وموثوقة، وأن يكون لدينا جيل عُماني قادر على تطوير الحلول والمساهمة في الأمن الرقمي عالميًا.
وأخيرًا، لو جاءت إليكِ طالبة عُمانية وقالت: «أفكر في دراسة الأمن السيبراني، لكنني لا أعرف إن كان هذا المجال يناسبني»، ماذا ستقولين لها؟
سأقول لها أن تكتب ميزاتها الشخصية وسماتها، وتقارنها بما تعتقد أنه مجال يثير فضولها، وأن تطّلع وتسأل قليلًا لتشكل فكرة عن إمكانياتها الفعلية ورغبتها الحقيقية، ولتبني لنفسها الثقة في صنع القرار الأنسب لها، وألا تحكم على نفسها بصورة استباقية، فنحن نعيش في زمن المعلومات، وهي متاحة بشكل مبسط وميسر، وبإمكانها دائمًا اللجوء إلى طلب المساعدة والنصيحة إذا لم تتمكن من الوصول إلى المعلومات الصحيحة. أيضاً لا يشترط أن تعرف البرمجة أو أن تكون لديها خبرة تقنية كبيرة. الفضول والرغبة في التعلم أهم بكثير.
وفي غالب الأحيان، أساعد الطلاب المترددين بشكل مباشر في فهم نقاط القوة الشخصية، وأشاركهم بعض الروابط والمصادر المعلوماتية التي تساعدهم على اتخاذ القرار.
وأخيراً أقول لها أيضًا: لا تخافي من أن تكوني في بداية الطريق، فكل شخص ناجح في هذا المجال بدأ يومًا من نقطة الصفر.




