هن _ خاص
منذ طفولتي، لم أكن أعلم أنني سأعمل يومًا في مجال الحوكمة والامتثال، أو أن مسيرتي المهنية ستقودني إلى التعامل مع مجالس الإدارة والجهات الرقابية والأطر التنظيمية. لكنني كنت أعلم شيئًا واحدًا: أن المسؤولية أمانة، وأن الالتزام والإتقان ليسا خيارًا، بل أسلوب حياة.
كبرت وأنا أُعرف بين أفراد عائلتي بالاتزان وتحمل المسؤولية، وكانوا غالبًا يعهدون إليّ بالمهام التي تتطلب الدقة والمتابعة والالتزام. ومع مرور السنوات، اكتشفت أن تلك الصفات التي نشأت عليها في منزلنا كانت تُمهِّد، دون أن أدرك، للطريق المهني الذي سأسلكه لاحقًا.
كان حلمي الأول أن أصبح مهندسة، وبالفعل درست هندسة الاتصالات، لتبدأ من هناك أولى محطات رحلتي المهنية. وخلال فترة تدريبي في شركة تنمية نفط عُمان، حصلت على إشادة بعد أحد العروض التقديمية التي قدمتها، وكانت تلك اللحظة من أوائل المحطات التي منحتني الثقة بأن الاجتهاد الصادق يُرى ويُقدّر، وأن الإنسان قادر على تجاوز ما يتوقعه لنفسه إذا منح كل خطوة حقها من الجهد والإخلاص. لكن تلك لم تكن سوى بداية الرحلة.
لم أكن أعلم أن حلم الهندسة سيقودني يومًا إلى عالم التأمين والحوكمة والامتثال، إلا أنني كنت أؤمن دائمًا بأن التعلم لا يجب أن يتوقف عند تخصص أو وظيفة أو مرحلة معينة من العمر.
ومع كل محطة جديدة في حياتي، كنت أتعلم شيئًا يضيف إلى شخصيتي وخبرتي. وتعلمت أن النجاح لا يعني أن نبقى في المسار نفسه طوال العمر، بل أن نمتلك الشجاعة لخوض تجارب جديدة، وأن نحول كل تجربة إلى فرصة للنمو والتطور.
ومن بين المحطات التي أعتز بها كثيرًا مواصلة دراستي العليا والحصول على درجة الماجستير في إدارة الأعمال من جامعة السلطان قابوس بتقدير امتياز. ولم تكن هذه التجربة مجرد شهادة أكاديمية، بل كانت درسًا عميقًا في إدارة الوقت والإصرار والموازنة بين مسؤولياتي المهنية والتزاماتي الأسرية وطموحاتي العلمية.
لقد علمتني تلك المرحلة أن المرأة قادرة على الاستمرار في النمو مهما تعددت مسؤولياتها، وأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالاستثمار في الذات. كما أدركت مع مرور الوقت أن النجاح لا يتعلق فقط بما نحمله من مؤهلات أو مناصب، بل بما نضيفه إلى أنفسنا وإلى من حولنا من أثر ومعرفة وقيم.
وكغيري من الكثيرين، واجهت خلال رحلتي تحديات ومسؤوليات وضغوطًا مهنية مختلفة. لكنني تعلمت أن التحديات لا تأتي دائمًا لاختبارنا فحسب، بل لتكشف لنا قدرات لم نكن نعلم بوجودها داخلنا.
في أصعب المواقف تعلمت الصبر.
وفي أكثر المراحل ضغطًا تعلمت الهدوء.
وفي اللحظات التي بدا فيها الطريق صعبًا، تعلمت أن أثق بالله أولًا، ثم أبذل كل ما أستطيع وأمضي قدمًا.
وأصبحت أؤمن أن الإنسان لا يكتشف قوته الحقيقية في الأيام السهلة، بل في اللحظات التي يُطلب منه فيها أن يقدم أفضل ما لديه رغم كل الظروف.
وخلال عملي في الحوكمة والامتثال، وما أتاحه لي من فرص للتعامل مع مجالس الإدارة واللجان المنبثقة عنها والإدارات التنفيذية والجهات الرقابية، تعلمت أن الثقة هي رأس المال الحقيقي لأي مؤسسة.
وتعلمت أن الحكمة لا تقل أهمية عن المعرفة، وأن الذكاء المهني لا يتمثل فقط في معرفة ما ينبغي قوله، بل في معرفة متى يُقال وكيف يُقال. كما أدركت أن بناء الثقة والسمعة المؤسسية عملية مستمرة تقوم على الالتزام والشفافية والعمل المتقن، وهي قيم أؤمن بأنها أساس النجاح المستدام في أي مؤسسة.
كما تعلمت أن بعض أهم النجاحات لا تظهر في السيرة الذاتية، بل تتمثل في مشاركة المعرفة، وتمكين الآخرين، والمساهمة في بناء بيئة عمل أكثر وعيًا وثقة واستعدادًا للمستقبل.
ورغم اعتزازي بكل ما حققته في مسيرتي العملية، فإنني أؤمن أن هناك مسؤولية أعظم من أي منصب مهني، وهي مسؤولية المساهمة في بناء الأجيال القادمة.
فالأبناء بالنسبة لي ليسوا مجرد مسؤولية عائلية، بل مشروع مستقبل وطن.
فالمنزل هو المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معنى الأمانة والاحترام وتحمل المسؤولية والانتماء. وأؤمن أن كل أم وأب يغرسان هذه القيم في أبنائهما يساهمان بشكل حقيقي في بناء مستقبل عُماننا الحبيبة.
ولهذا أحرص دائمًا على أن أكرس ما أستطيع من وقت وجهد لغرس حب التعلم والمسؤولية وحب الوطن في نفوس أبنائي، إيمانًا مني بأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار يمكن أن نقدمه لوطننا العزيز.
فالمؤسسات تُبنى بالخطط والأنظمة، أما الأوطان فتُبنى بالإنسان.
أنا فخورة كوني امرأة عُمانية، وفخورة بكل امرأة تسهم بعلمها وعملها وقيمها في خدمة هذا الوطن الغالي. وأؤمن أن مستقبل عُماننا الحبيبة سيظل مزدهرًا ما دامت هناك نساء ورجال يعملون بإخلاص، ويربون أجيالًا تؤمن بالعلم والمسؤولية والانتماء.
ومع كل محطة من محطات حياتي، ازداد يقيني بأن القيم التي نتربى عليها في الصغر قد تكون أعظم قوة تقودنا في الكبر. فالأمانة والالتزام والإخلاص وتحمل المسؤولية كانت البوصلة التي صاحبتني في رحلتي، وما أتمناه اليوم هو أن نغرس هذه القيم في أبنائنا وأجيالنا القادمة، إيمانًا بأن مستقبل الأوطان لا يُصنع بالموارد وحدها، بل بالإنسان الذي يحمل العلم والقيم والانتماء، ويسهم بإخلاص في خدمة وطنه ومجتمعه. هذا، بالنسبة لي، هو الإرث الأجمل الذي يمكن أن نتركه للأجيال القادمة.




