هنّ _ خاص
منذ أن أطلقت أمل الرئيسي علامتها في عام 2006، لم تتعامل مع الموضة بوصفها تصميمًا جميلًا فحسب، بل كمساحة تحمل هوية عُمانية قادرة على الوصول إلى العالم. وعلى مدى عقدين، تطورت تجربتها من تصميم القطعة إلى بناء علامة تحمل اسمها، ثم إلى العمل على تطوير منظومة الموضة في عُمان من خلال «Fashion Future» وإعادة إطلاق «أسبوع الموضة في مسقط».
اليوم، تنظر أمل إلى الموضة من زاوية أوسع؛ زاوية تجمع التصميم بالهوية، والإبداع بالأعمال، والتكنولوجيا بالأسواق، وتؤمن بأن مستقبل المصمم العُماني لا يتوقف عند امتلاك الموهبة، بل يبدأ عندما تتحول هذه الموهبة إلى علامة مستدامة قادرة على المنافسة عالميًا. وفي هذا الحوار مع «هنّ»، تتحدث عن رحلتها، وما تغير في صناعة الموضة العُمانية، وما تحتاجه لتصبح صناعة متكاملة، وعن رؤيتها للجيل القادم ومستقبل الموضة حتى 2040.
بعد 20 عامًا في صناعة الأزياء، كيف تنظرين اليوم إلى موقع الموضة العُمانية مقارنة بما كانت عليه عندما بدأتِ؟
عندما بدأت في 2006، كانت هناك موهبة وحِرفية كبيرة في عُمان، لكن لم تكن هناك منظومة واضحة لصناعة الموضة كما نفهمها اليوم. كانت المنصات محدودة، وفرص التدريب والاحتكاك بالأسواق العالمية قليلة، كما أن فكرة بناء علامة عُمانية قادرة على المنافسة خارج السلطنة لم تكن مطروحة بالشكل الحالي.
خلال هذه السنوات، شاهدت المشهد يتغير وكنت جزءًا من هذا التغيير. اليوم لدينا جيل أكثر وعيًا بالصناعة وأكثر جرأة في طموحه، ومصممون يفكرون أبعد من السوق المحلي، إلى جانب اهتمام أكبر بكيفية تقديم الهوية العُمانية بلغة معاصرة.
أشعر أننا قطعنا شوطًا مهمًا، لكننا ما زلنا في بداية الطريق. المرحلة المقبلة ليست فقط في نجاح المصممين، بل في بناء منظومة متكاملة تشمل التعليم والتدريب والإنتاج والتجزئة والإعلام والاستثمار، وهذا ما أحاول المساهمة فيه اليوم من خلال أدواري المختلفة في الصناعة.

أصبحت الهوية العُمانية جزءًا واضحًا من تجربتكِ التصميمية. كيف تطورت طريقتكِ في تقديمها بحيث تبقى حاضرة من دون أن تتحول إلى تكرار للتراث؟
في بداياتي، كنت أتعامل مع الهوية بصورة أكثر مباشرة، من خلال تفاصيل الزي التقليدي والتطريز والألوان والعناصر التي يمكن التعرف إليها بسهولة. لكن مع الوقت، أصبحت علاقتي بها أعمق وأقل حرفية.
اليوم لا أشعر بأنني بحاجة إلى وضع عنصر تراثي واضح في كل قطعة حتى أقول إن المجموعة عُمانية. قد تكون عُمان حاضرة في لون مستوحى من مكان، أو خط معماري، أو طريقة سقوط القماش، أو في إحساس المجموعة بالكامل.
استلهمت مجموعات من مسندم، ووادي وكان، ورأس الحد، ونخل وبهلاء، وكان التحدي دائمًا ألا أنقل المكان كما هو، بل أن أترجم إحساسي تجاهه إلى تصميم معاصر.
بعد عشرين عامًا، أصبحت أرى أن الهوية ليست شيئًا نضيفه إلى التصميم، بل شيئًا نحمله في داخلنا. أنا عُمانية، وهذه البيئة أصبحت جزءًا من ذاكرتي البصرية وطريقتي في رؤية الجمال، لذلك ستظهر في عملي حتى عندما لا تكون مباشرة.
التراث بالنسبة لي ليس شيئًا جامدًا نكرره، بل لغة يمكن إعادة تفسيرها مع كل جيل.

ما الذي يجعل التصميم العُماني قادرًا على الوصول إلى المرأة خارج عُمان والمنافسة في الأسواق العالمية؟
أعتقد أن علينا أولًا ألا ننظر إلى الهوية المحلية باعتبارها عائقًا أمام الوصول إلى العالم. بالعكس، في سوق عالمي مليء بالعلامات، ما يميزنا هو امتلاك قصة وهوية مختلفة. لكن التحدي هو تقديم هذه الهوية بلغة تفهمها المرأة أينما كانت.
عندما بدأت أعرض مجموعاتي خارج عُمان، أدركت أن المرأة في باريس أو لندن أو دبي لا تحتاج بالضرورة إلى معرفة مصدر كل تفصيلة حتى ترتبط بالقطعة. هي تنظر أولًا إلى التصميم والجودة والقصة وكيف تشعر عندما ترتديها. وهنا يأتي دور المصمم في تحويل الإلهام العُماني إلى منتج معاصر، لا إلى قطعة تعتمد فقط على رمزيتها التراثية.
والعالمية لا تتحقق بالتصميم وحده. نحتاج إلى جودة ثابتة، وتسعير مدروس، وإنتاج وتسليم في الوقت المناسب، وهوية بصرية قوية، وتسويق وعلاقات عامة، وشبكة توزيع وفهم حقيقي للأسواق.
لدينا في عُمان قصص كثيرة لم تُروَ للعالم من خلال الموضة. وطموحنا يجب ألا يكون أن تختار المرأة القطعة لأنها «عُمانية»، بل لأنها أحبتها أولًا، ثم تكتشف أن وراءها علامة عُمانية وقصة من عُمان. هنا نكون قد نجحنا في الانتقال من المحلية إلى العالمية.

اليوم لا تكفي الموهبة وحدها لبناء علامة أزياء. ما الذي ينقص منظومة الموضة في عُمان حتى تنتقل إلى مرحلة أكثر نضجًا؟
المواهب موجودة، وما ينقصنا هو المنظومة التي تحول هذه الموهبة إلى صناعة حقيقية ومستدامة.
تعلمت خلال عشرين عامًا أن التصميم جزء من بناء العلامة، بينما هناك إدارة وتمويل وإنتاج وتسعير وتسويق وتكنولوجيا وتوزيع وعلاقات مع الأسواق. وهذه المجالات تحتاج إلى تطوير أكبر في عُمان.
نحتاج أيضًا إلى تعليم متخصص لا يركز على الإبداع فقط، بل يعلّم المصمم إدارة العلامة وفهم السوق والأرقام وسلوك المستهلك. كما نحتاج إلى منظومة إنتاج أكثر تطورًا، ومستثمرين يفهمون طبيعة قطاع الأزياء وحاجته إلى استثمار طويل المدى.
والتكنولوجيا أصبحت جزءًا أساسيًا من الصناعة، سواء في إدارة الأعمال والمخزون وتحليل البيانات، أو التجارة الإلكترونية والوصول إلى العملاء خارج السوق المحلي.
لذلك لا نحتاج فقط إلى المزيد من المصممين، بل إلى متخصصين حول المصمم في الإدارة والتسويق والإنتاج والشراء والتجارة الإلكترونية والعلاقات العامة. عندها نستطيع الحديث عن صناعة أزياء عُمانية متكاملة.

من خلال خبرتكِ واحتكاككِ بالمواهب الشابة، ما التغيير الأهم الذي تحتاجه حتى تبني علامات مستدامة وقابلة للنمو؟
أعتقد أن التغيير الأهم هو أن ينتقل المصمم من فكرة «أريد أن أصبح مصمم أزياء» إلى «أريد أن أبني علامة تجارية». الفرق كبير.
من خلال احتكاكي بالمواهب في برنامج Fashion Future، أرى الكثير من الإبداع والحماس، لكن أحيانًا يكون التركيز على التصميم والظهور أكثر من الجانب الذي يحدث خلف الكواليس: من هو العميل؟ ما تكلفة المنتج؟ كيف أسعّره؟ كيف أدير الإنتاج؟ وكيف أبيع وأستمر وأنمو؟
وأعتقد أننا نحتاج أيضًا إلى تغيير مفهوم النجاح السريع. بناء علامة أزياء يحتاج إلى صبر. بعد عشرين عامًا ما زلت أتعلم وأواجه تحديات وأعيد النظر في قرارات كثيرة. النجاح ليس مجموعة ناجحة أو ظهورًا جميلًا، بل القدرة على الاستمرار والتطور.
لذلك أشجع المصممين الشباب على البحث عن الخبرة قبل الاستعجال في تأسيس علامات خاصة؛ أن يتدربوا، ويعملوا داخل المؤسسات، ويحتكوا بأسواق مختلفة، ويتعلموا الجانب التجاري بجدية التصميم نفسها.
لدينا جيل موهوب جدًا، وما يحتاجه ليس مزيدًا من الموهبة بقدر ما يحتاج إلى المعرفة والانضباط والخبرة العملية وعقلية رائد الأعمال.

أعدتِ إطلاق «أسبوع الموضة في مسقط» بوصفه منصة تربط عُمان بصناعة الموضة العالمية. ما الذي تريدين أن يصبح عليه الحدث خلال السنوات المقبلة، وكيف يمكن أن يتحول من مساحة لعرض المجموعات إلى منصة تفتح للمصممين العُمانيين أبوابًا حقيقية نحو المشترين والأسواق العالمية؟
عندما أعدنا إطلاق أسبوع الموضة في مسقط، لم يكن هدفي إضافة أسبوع موضة آخر إلى أجندة المنطقة، بل بناء منصة تربط عُمان بصناعة الموضة عالميًا وتخلق فرصًا حقيقية للمواهب الموجودة في السلطنة.
طموحي أن يصبح أسبوع الموضة في مسقط محطة معروفة على خارطة الموضة في المنطقة، ولكن بشخصية عُمانية واضحة. لا أريد أن نقلد باريس أو ميلانو؛ عُمان لديها ثقافتها وجغرافيتها وحِرفها وطريقتها الخاصة في استقبال العالم، وهذه عناصر تمنحنا فرصة لبناء تجربة مختلفة.
والأهم أن يتجاوز تأثير الحدث منصة العرض. أريد أن نرى مصممين عُمانيين يصلون إلى مشترين وأسواق جديدة، وأن نستقطب إلى مسقط مصممين وخبراء وإعلامًا دوليًا، إلى جانب ورش العمل، والنقاشات، وفرص التدريب، والتعاون.
وأرى أن نجاح أي فعالية للموضة لا يجب أن يقاس بالعرض والتغطية الإعلامية فقط، بل بما يحدث بعده. نحتاج إلى لقاءات مباشرة مع المشترين، واجتماعات مجدولة، وفرص لوضع طلبات فعلية، إلى جانب مساعدة المصمم في مرحلة ما بعد العرض: المتابعة، والتفاوض، وتجهيز المنتجات وتنفيذ الطلبات.
هدفي أن ننتقل من مفهوم «نعرض المصمم» إلى «نفتح سوقًا للمصمم». فالظهور يصنع لحظة جميلة، لكن العلاقة التجارية المستمرة هي التي تبني علامة وتخلق صناعة.

يدخل الذكاء الاصطناعي والتقنيات الجديدة بسرعة إلى صناعة الأزياء. كيف ترين تأثيرها على مستقبل المصمم؟
أرى الذكاء الاصطناعي كأداة ستغير طريقة عملنا، لكنها لن تلغي دور المصمم. يمكن للتكنولوجيا أن تساعد في البحث وتطوير الأفكار، وتحليل سلوك العميل وإدارة المخزون والتنبؤ بالطلب، إضافة إلى التسويق وصناعة المحتوى.
لكن هناك شيئًا لا تستطيع التكنولوجيا استبداله، وهو التجربة الإنسانية خلف التصميم. عندما أستلهم مجموعة من مكان في عُمان، مثل بهلاء أو مسندم أو وادي وكان، فالأمر لا يتعلق بصور أو ألوان فقط؛ هناك ذاكرة وشعور وتجربة شخصية وطريقة خاصة في ترجمتها إلى قطعة. هذه هي روح التصميم.
مع انتشار الذكاء الاصطناعي، سنرى الكثير من الصور والأفكار الجميلة، ولذلك سيصبح السؤال: ما الذي يجعل التصميم يحمل بصمتك أنت؟
أعتقد أن المصمم في المستقبل يحتاج إلى الاثنين معًا: أن يحافظ على حسه الإبداعي وهويته وحرفته، وألا يخاف من التكنولوجيا، بل يتعلم استخدامها لصالحه. يمكن للتكنولوجيا أن تساعدني وتسرّع بعض مراحل العمل، لكنها لا يجب أن تفكر أو تشعر أو تبدع بدلًا مني.
كلما أصبحت الأدوات متاحة للجميع، ستصبح الأصالة والهوية واللمسة الإنسانية أكثر قيمة.

عندما نتحدث عن «رؤية عُمان 2040»، كيف يمكن لصناعة الأزياء أن تكون جزءًا من الاقتصاد الإبداعي وتساهم في تنويع الاقتصاد وإبراز الهوية العُمانية؟
عندما نتحدث عن تنويع الاقتصاد، لا يجب أن نحصر تفكيرنا في القطاعات التقليدية أو الكبيرة. الاقتصاد الإبداعي يمكن أن يكون جزءًا حقيقيًا من هذا التنويع، والموضة قادرة على الجمع بين الاقتصاد والثقافة والهوية.
صناعة الأزياء ليست فقط مصممًا وقطعة ملابس. حولها سلسلة من الفرص في التصميم والخياطة والتطريز والحِرف والتصوير وصناعة المحتوى والتسويق والتجزئة والتكنولوجيا، والفعاليات، والسياحة، والتصدير.
رأيت ذلك خلال رحلتي. عندما بدأت، كان هدفي بناء علامة عُمانية ناجحة، لكنني مع الوقت أصبحت أرى أن المسؤولية أكبر من نجاح علامتي. إذا أردنا أن تكون الموضة جزءًا من رؤية عُمان 2040، فعلينا بناء منظومة تساعد المواهب على التحول إلى شركات ومنتجات قابلة للنمو والتصدير.
ولدينا ميزة مهمة جدًا هي هويتنا. لدينا تراث وحِرف وقصص ومناطق وثقافة بصرية غنية، ويمكن للموضة تحويلها إلى قيمة اقتصادية معاصرة من دون فقدان أصالتها. عندما تصل قطعة صُممت في عُمان إلى امرأة في باريس أو لندن، فنحن لا نصدر منتجًا فقط، بل جزءًا من قصة عُمان.
لهذا أرى الموضة جزءًا من الاقتصاد الإبداعي، وأيضًا من القوة الناعمة لعُمان.
بعد عقدين من العمل، وإذا نظرنا إلى عام 2040، ما الذي أصبح يشغلكِ أكثر اليوم؟ وكيف تتمنين أن يكون أثر تجربتكِ وموقع أمل الرئيسي في مستقبل الموضة العُمانية؟
بعد عشرين عامًا، لم أعد مشغولة بفكرة إثبات نفسي كمصممة. في البدايات كان عليّ أن أثبت أن علامة عُمانية يمكن أن تنجح وتصل إلى خارج عُمان. اليوم أشعر براحة أكبر تجاه هذه المسألة، وأصبحت أكثر انتقائية، وأسأل نفسي: هل هذه الخطوة تضيف إلى العلامة؟ وهل تشبهنا؟ وهل تخدم المكان الذي أريد الوصول إليه بعد خمس أو عشر سنوات؟
ما يشغلني اليوم هو الاستمرارية والأثر. أريد أن أبني علامة تستطيع أن تعيش وتتطور وتتجاوز وجودي الشخصي فيها، وفي الوقت نفسه أفكر فيما يمكنني أن أضيفه إلى قطاع الموضة في عُمان، وكيف أستطيع أن أختصر على الجيل القادم جزءًا من الطريق الذي تعلمناه بالتجربة.
وعندما أتخيل مشهد الموضة العُمانية في 2040، أتمنى ألا نتحدث عن إمكانيات الموضة، بل عن صناعة حقيقية ومتكاملة: علامات عُمانية موجودة عالميًا، ومواهب تصل إلى أسواق جديدة، ومنظومة تدعم التعليم والإنتاج والاستثمار والتجزئة، مع الحفاظ على هويتنا بروح معاصرة.
وأتمنى أن يكون أسبوع الموضة في مسقط منصة دولية تربط عُمان بالعالم وتخلق فرصًا حقيقية للمصممين. أما على المستوى الشخصي، فأريد أن أرى Amal Al Raisi حاضرة عالميًا بطريقة صحيحة ومستدامة، وأن تتجاوز العلامة وجودي الشخصي فيها.
وسيكون أكبر إنجاز بالنسبة لي أن أرى جيلًا جديدًا من المصممين العُمانيين يصل إلى أماكن أبعد، وأن أعرف أنني ساهمت، ولو بجزء، في فتح هذا الطريق لهم. أعتقد أن النجاح في مرحلة ما من الحياة يتوقف عن أن يكون فقط حول ما حققته أنت، ويصبح أيضًا حول ما تركته خلفك.

ما الرسالة التي ترغبين في تركها للمصممات العُمانيات اللواتي سيصنعن الجيل القادم من الموضة؟
رسالتي لهن أن يؤمنّ بهويتهن، لكن ألا يضعن لها حدودًا. تعلّمن، جرّبن، سافرن، واحتككن بالعالم، ثم عدن دائمًا إلى ما يميزكن فعلًا.
ولا تستعجلن النجاح. بناء اسم وعلامة حقيقية يحتاج إلى وقت وصبر وانضباط، وسيكون هناك الكثير من التحديات والأخطاء في الطريق، وهذا جزء من الرحلة.
أتمنى أن يكون الجيل القادم أكثر جرأة منا، وأن يصل إلى أماكن لم نصل إليها بعد. وإذا كان الطريق اليوم أسهل قليلًا مما كان عليه عندما بدأنا، فمسؤوليتكن أن تجعلنه أسهل وأوسع للجيل الذي سيأتي بعدكن.
الانستغرام: iamamalalraisi




