هنّ _ خاص
تجمع الدكتورة أمل بنت طالب الجهوري بين الإعلام والبحث العلمي والعمل البرلماني والاهتمام بقضايا المرأة والشباب، في مسيرة تجاوزت 20 عامًا شكّلت رؤيتها للإعلام ودوره في صناعة الوعي وخدمة المجتمع. وتشغل الجهوري منصب مديرة دائرة الإعلام بمجلس الشورى، كما تترأس لجنة شؤون الصحفيات بجمعية الصحفيين العُمانية.
في هذا الحوار مع «هنّ»، تتحدث عن مسيرة صنعتها تجارب متعددة، ورؤيتها لإعلام المستقبل، ودور المرأة العُمانية في القيادة وصناعة القرار، والمهارات التي تحتاج إليها الإعلامية في عصر الذكاء الاصطناعي، ورسالتها إلى الجيل القادم من النساء.
قبل الحديث عن المناصب والجوائز، من هي أمل الجهوري كما تحب أن تعرّف نفسها للقارئ؟
أمل الجهوري باحثة عن التجديد، ومؤمنة بأن المعرفة لا تكتمل قيمتها إلا حين تتحول إلى أثر. أحب أن أعرّف نفسي بأنني إنسانة شغوفة بالتعلم واستثمار المعرفة وبناء الذات في المجالات التي يمكن من خلالها أن أقدم إضافة حقيقية وأخدم وطني.
وأؤمن بأن الإنسان ليس منصبًا أو لقبًا، وإنما هو حصيلة تجاربه وما يتركه من أثر في محيطه ومجتمعه، وبأن الجوائز والإنجازات هي نتيجة ومحصلة طبيعية لكل من يُحسن الاستثمار في ذاته وطاقاته.
تنقلتِ بين الإعلام والبحث العلمي والعمل البرلماني.. كيف صنعت هذه التجارب مجتمعة رؤيتكِ لمسيرتكِ المهنية؟
في الحقيقة، أسهمت كل هذه المحطات بشكل كبير في بناء شخصيتي وإكسابي خبرات ومهارات متنوعة. فكل موقع كان يمثل مرآة مختلفة، له معطياته وآليات عمله وخصوصيته.
وحرصت دائمًا على أن أستثمر خبرتي التراكمية في كل محطة، وأن أبني عليها شيئًا جديدًا، لا أن أبدأ من الصفر مع كل تجربة. علّمني الإعلام قوة الكلمة ومسؤولية التأثير، ومنحني البحث العلمي أدوات التحليل والعمق، فيما قرّبني العمل البرلماني أكثر من قضايا المجتمع وصناعة القرار.
هذا التنوع جعلني اليوم أكثر ثقة بذاتي وقدراتي، وأضاف إلى مسيرتي شغفًا متجددًا، وأصبح لدي إيمان أكبر بأن تعدد التجارب ليس تشتتًا، بل يمكن أن يكون مصدر قوة إذا أحسن الإنسان توظيفه.

اختياركِ لنيل جائزة «ماسة العرب» عن مجال الإعلام يمثل محطة جديدة في مسيرتكِ.. ماذا يعني لكِ هذا التقدير في هذه المرحلة؟
هو تقدير أفخر به كثيرًا، وأراه تتويجًا لمسيرة عطاء في المجال الإعلامي تقارب عشرين عامًا، تنقلت خلالها بين الإعلام الجامعي، والإعلام التربوي، والإعلام البرلماني، إلى جانب الممارسة المهنية في الصحافة والإذاعة.
بالنسبة لي، الجائزة ليست مجرد تكريم لإنجاز تحقق، وإنما تقدير لمسيرة وتجربة وجهد متراكم. وهي في الوقت ذاته حافز ومسؤولية لمواصلة العطاء، وتقديم ما هو أفضل، والاستمرار في تطوير الذات والأدوات بما يتواكب مع التحولات التي يشهدها الإعلام.
عملكِ البحثي واهتمامكِ بالإعلام يلتقيان في نقطة مهمة هي صناعة الوعي. برأيكِ، كيف يتغير دور الإعلام اليوم في تشكيل وعي المجتمع وصناعة المستقبل؟
لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح شريكًا في تشكيل الوعي وصناعة الاتجاهات، وربما يصبح تأثيره في المستقبل أكبر من أي وقت مضى.
لكن هذا التأثير يحمل مسؤولية كبيرة؛ فمع سرعة انتشار المعلومة وتعدد المنصات، أصبح الإعلام مطالبًا بأن يكون أكثر مهنية ودقة وقدرة على التحقق، وفي الوقت نفسه أكثر قربًا من اهتمامات المجتمع وقضاياه.
وأعتقد أن إعلام المستقبل هو الإعلام الذي لا يكتفي برصد الواقع، وإنما يساهم في فهمه واستشراف القادم، ويمنح المجتمع معرفة تساعده على اتخاذ قرارات أفضل. وهنا تلتقي أهمية البحث العلمي مع الإعلام؛ فالمعرفة تمنح الإعلام عمقًا، والإعلام يحول المعرفة إلى وعي يصل إلى المجتمع.
ولا بد من استثمار الإعلام بجميع محطاته ووسائله، كونه من أهم الأدوات لتحقيق الوعي المجتمعي، وهو الأمر الأكثر أهمية اليوم مع سرعة تدفق البيانات والمعلومات وانتشارها.

اهتممتِ خلال مسيرتكِ بقضايا المرأة والتمكين السياسي. كيف ترين المرأة العُمانية اليوم، وما المساحات التي تتوقعين أن يكون حضورها فيها أكبر خلال السنوات المقبلة؟
أصبحت المرأة العُمانية اليوم شريكًا فاعلًا في مسيرة التنمية، واستطاعت أن تثبت حضورها في مجالات متعددة، وأن تنتقل من مرحلة إثبات القدرة إلى مرحلة صناعة الأثر.
وأعتقد أن المرحلة المقبلة ستشهد حضورًا أكبر للمرأة في مواقع القيادة وصناعة القرار، وفي القطاعات الاقتصادية والتقنية والمعرفية، إضافة إلى ريادة الأعمال والابتكار والإعلام وصناعة السياسات العامة.
لكن طموحنا يجب ألا يتوقف عند زيادة الأرقام، بل أن نصل إلى تمكين حقيقي يجعل المرأة قادرة على التأثير والمشاركة وصناعة القرار، مستندة إلى الكفاءة والمعرفة والثقة بالذات.
وأؤكد هنا أهمية ما تحظى به المرأة العُمانية من فرص للتمكين، ومنها التوجيهات السامية بتخصيص 11 مقعدًا إضافيًا للمرأة في مجلس الشورى، بواقع مقعد لكل محافظة، بما يعزز حضورها في العمل البرلماني. والأهم أن يواكب ذلك اختيار الكفاءات النسائية القادرة على تحقيق أثر حقيقي، ليكون حضور المرأة أكبر من مجرد رقم يُضاف إلى المجلس.
من خلال عملكِ مع الصحفيات والمرأة في المجال الإعلامي، ما أبرز التحديات التي ما زالت تواجه المرأة الإعلامية، وما الذي تحتاج إليه لتكون أكثر تأثيرًا في المستقبل؟
أعتقد أن التحدي اليوم لم يعد في إثبات قدرة المرأة الإعلامية على النجاح، فقد أثبتت ذلك بالفعل، وإنما في تعزيز قدرتها على الاستمرار والتطور والوصول إلى مواقع التأثير والقيادة.
وتحتاج الإعلامية إلى بيئة مهنية داعمة، وفرص متكافئة للتطوير والتدريب، وإلى الاستثمار المستمر في مهاراتها، خصوصًا في المجالات الرقمية والتقنية والذكاء الاصطناعي.
كما تحتاج إلى أن تؤمن بذاتها وبصوتها المهني، وأن تدرك أن حضورها لا يُقاس فقط بظهورها الإعلامي، وإنما بقيمة ما تقدمه وتأثيره في المجتمع.

نعيش تحولات متسارعة في الإعلام مع الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية. ما المهارات التي تعتقدين أن الإعلامية العُمانية تحتاج إلى امتلاكها اليوم لتكون جزءًا من إعلام المستقبل؟
أهم مهارة في رأيي هي القدرة على التعلم المستمر ومواكبة المستجدات في العمل الإعلامي؛ لأن أدوات الإعلام تتغير بسرعة، وما نعتبره مهارة متقدمة اليوم قد يصبح أساسيًا غدًا.
وتحتاج الإعلامية إلى فهم أدوات الذكاء الاصطناعي وتوظيفها بشكل مهني وأخلاقي، إلى جانب مهارات التحقق من المعلومات، وتحليل البيانات، وصناعة المحتوى الرقمي، والسرد القصصي، وإدارة المنصات، والقدرة على التفكير النقدي.
لكن رغم كل هذا التطور التقني، ستبقى هناك مهارات إنسانية لا يمكن للآلة أن تحل محلها، مثل الحس الصحفي، والوعي المجتمعي، والقدرة على طرح الأسئلة الصحيحة، وفهم الإنسان وقضاياه. وهذا الجانب أجده مهمًا جدًا، ويلامس متطلبات المجتمع بشكل عام وقضايا المرأة بشكل خاص.
ما التجربة أو القرار الذي تعتبرينه نقطة تحوّل حقيقية في مسيرتكِ، والتي لولاها ربما كانت أمل الجهوري اليوم في مكان مختلف؟
أعتقد أن نقطة التحول الحقيقية لم تكن قرارًا واحدًا بقدر ما كانت قناعة ترسخت لدي مع الوقت، وهي أنني لا أريد أن أكون أسيرة لمسار مهني واحد، ولا أن أترك المسار هو من يحدد وجهتي، بل أمضي بنهج واضح لأكون كما أريد لنفسي دائمًا.
وكان الانتقال من تجربة إلى أخرى يحمل بالنسبة لي فرصة للتعلم وإعادة اكتشاف الذات. وربما كان قرار الاستمرار في التعلم وتوسيع دائرة التجربة، حتى عندما يكون الانتقال إلى مساحة جديدة أكثر تحديًا، من أهم القرارات التي صنعت شخصيتي المهنية.
وأؤمن أن الإنسان أحيانًا لا يعرف قيمة الخطوة التي اتخذها إلا بعد سنوات، عندما ينظر إلى الوراء ويكتشف أن كل تجربة كانت تهيئه لما بعدها.
لو طلبنا منكِ أن تصفي رؤيتكِ للمرأة العُمانية في عام 2040، ماذا ترين؟ وما الرسالة التي تحبين أن توجهينها للجيل القادم من النساء؟
أرى المرأة العُمانية في 2040 شريكًا أساسيًا في صناعة المستقبل، حاضرة في مواقع القيادة وصناعة القرار، ومنافسة في الاقتصاد والمعرفة والتكنولوجيا والابتكار، ومؤثرة في مجتمعها ووطنها، مع احتفاظها بهويتها وقيمها وخصوصيتها.
رسالتي للجيل القادم من النساء هي: لا تنتظرن أن يمنحكن أحد مساحة لتثبتن أنفسكن، اصنعن مساحتكن بالمعرفة والكفاءة والعمل.
استثمرن في أنفسكن، ولا تخفن من التجربة أو التغيير، ولا تعتبرن التعثر نهاية الطريق. فالمستقبل لا يُمنح، وإنما يُبنى خطوة بعد خطوة.
وأؤمن أن المرأة التي تؤمن بقدرتها على التعلم والتطور وصناعة الأثر تستطيع أن تكون جزءًا من صناعة مستقبل وطنها، لا مجرد متلقية لهذا المستقبل.
أمل والمستقبل
امرأة عُمانية تلهمكِ؟
كل امرأة عُمانية اختارت أن تتحدى الظروف، وتتعلم، وتنجح، ثم فتحت الطريق لغيرها.
صفة تحتاجها امرأة المستقبل؟
المرونة والقدرة على مواجهة التغيرات.
مهارة لا يمكن للإعلامية الاستغناء عنها مستقبلًا؟
التفكير النقدي.
إنجاز ما زال على قائمة أملكِ؟
الكثير من الطموحات ما زالت قائمة، ولا يمكن تحديدها في موضوع بعينه، بقدر ما هي الحرص والسعي إلى أن أكون امرأة مؤثرة فعلًا فيما أقدمه، وأن أترك أثرًا معرفيًا ومهنيًا يبقى بعدي، وأن أساهم في تمكين جيل جديد من النساء القادرات على صناعة التغيير.
كلمة واحدة تصفين بها المرأة العُمانية في المستقبل؟
ملهمة.
الانستغرام: amal.aljahwari




