هنّ _ خاص
تخوض ريم الحميدي البحر بشغف لا يتوقف عند المغامرة، بل يتحول إلى مساحة تفتحها أمام نساء أخريات لاكتشاف قدراتهن وخوض تجارب جديدة. كابتن قوارب وغواصة حرة ومرشدة سياحية، ومنظمة رحلات بحرية، أسست «مشاعر المحيط | Ocean Emotions» لتقدم تجارب بحرية في عُمان، وتمنح النساء مساحة يشعرن فيها بالراحة والثقة في الماء. في «هنّ.. المستقبل»، تحكي ريم عن رحلتها مع البحر، وعن رؤيتها لمستقبل تكون فيه المرأة العُمانية حاضرة بقوة في المجالات البحرية والسياحية والرياضية.
1. بدايةً، عرّفينا بكِ وبمجالكِ، وما طبيعة مشروعكِ المرتبط بالبحر؟
ريم الحميدي، كابتن قوارب، غواصة حرة، ومرشدة سياحية ومنظمة للرحلات البحرية في سلطنة عُمان. بدأت رحلتي مع البحر من شغفي بالمغامرة والطبيعة، ومع الوقت أصبح جزءًا أساسيًا من عملي ورسالة أحرص على مشاركتها مع الآخرين.
من خلال مشروعي «مشاعر المحيط | Ocean Emotions»، أقدم تجارب سياحية وبحرية في مختلف أنحاء السلطنة، من الجزر والشواطئ إلى الأودية والوجهات الطبيعية، بهدف تعريف الزوار بجمال عُمان وتنوعها الطبيعي بطريقة مختلفة وقريبة من الطبيعة.
ومن أهم توجهات المشروع توفير تجارب بحرية نسائية تقودها كفاءات نسائية عُمانية، تتيح للنساء من عُمان ومن مختلف أنحاء العالم اكتشاف البحار العُمانية وخوض تجارب مثل السباحة مع السلاحف والغطس السطحي واستكشاف الحياة البحرية في بيئة مريحة وآمنة.
أحرص على أن تكون التجربة متاحة حتى للمرأة التي لا تجيد السباحة أو تشعر بالتردد تجاه البحر، إذ يرافقها طاقمنا النسائي خطوة بخطوة ويقدم لها الإرشادات والدعم في الماء. بالنسبة لي، «مشاعر المحيط» ليست مجرد رحلات بحرية، بل وسيلة لخلق علاقة أجمل بين الإنسان والطبيعة، وتعريف النساء والزوار بجانب من عُمان ربما لم يختبروه من قبل.

2. ما الذي قادكِ إلى البحر، ومتى أدركتِ أنه يمكن أن يصبح جزءًا من رسالتكِ في تمكين النساء؟
بدأت علاقتي بالبحر في عام 2020، عندما زرت جزر الديمانيات للمرة الأولى. أتذكر دهشتي من جمال المكان ولون البحر التركوازي والحياة البحرية التي وجدتها أمامي. كانت تلك الزيارة نقطة تحوّل بالنسبة لي، ومنها بدأ شغفي بالبحر يكبر.
مع تعمقي في المجال، أدركت أن السياحة البحرية في عُمان ما زالت تحمل مساحة كبيرة لمزيد من مشاركة المرأة. وكنت ألاحظ سعادة النساء بوجود امرأة إلى جانبهن تفهم احتياجاتهن وترافقهن خطوة بخطوة، وتشعرهن براحة أكبر أثناء التجربة.
من هنا بدأت أرى أن وجودي في هذا المجال يمكن أن يكون أكبر من مجرد ممارسة شغفي. أردت أن أخلق مساحة تستطيع فيها المرأة خوض تجارب بحرية ومغامرات جديدة بثقة وراحة، وأن ترى أن البحر والطبيعة والمغامرة ليست مجالات بعيدة عنها.
3. ماذا تعني لكِ عبارة «خلق مساحة للنساء في البحر»؟
يعني ذلك بالنسبة لي أن أتيح للمرأة فرصة لتعيش البحر بطريقة تمنحها الراحة والحرية والمغامرة، وليس الخوف أو التردد. كثير من النساء يحببن البحر ويشعرن بالفضول تجاهه، لكن الخوف أو عدم الثقة قد يمنعهن من خوض التجربة. كما أن وجود قائدات وطاقم نسائي يمنح الكثير منهن شعورًا أكبر بالراحة والاستعداد لتجربة أشياء جديدة. لذلك أحرص على أن تستمتع كل امرأة بالرحلة بطريقتها، سواء كانت سبّاحة متمرسة أو تخوض أول تجربة لها في البحر.
ومن هنا جاءت فكرة «سكينة في الماء»، وهو برنامج أقدمه لمساعدة النساء اللواتي لديهن خوف أو رهبة من الماء، من خلال العمل بشكل تدريجي على بناء الثقة والتأقلم مع الماء، حتى يتحول بالنسبة لهن من مصدر للخوف إلى مساحة يشعرن فيها بالراحة والأمان. وهذا بالنسبة لي هو جوهر الفكرة: أن تكتشف المرأة البحر بطريقتها، وأن يرتبط وجودها فيه بالثقة والراحة والمتعة.

4. هل شعرتِ في بداياتكِ بأن وجود امرأة عُمانية في هذا المجال أمر غير مألوف؟
بالتأكيد. في بداياتي، كان وجود امرأة عُمانية في مجال السياحة والقيادة البحرية أمرًا غير مألوف، خصوصًا أنني لم أكن أرى الكثير من النساء العُمانيات في هذا المجال.
لكنني لم أنظر إلى ذلك كعائق، بل رأيته مساحة جديدة يمكنني أن أكون جزءًا من بنائها.
استمريت في تطوير نفسي وخبراتي إلى أن تمكنت من تأسيس «مشاعر المحيط | Ocean Emotions». ولم يعد الأمر متعلقًا بخوض تجربة شخصية فقط، بل أصبح فرصة لفتح المجال أمام نساء عُمانيات أخريات يشاركنني حب البحر والطبيعة. واليوم، من أجمل الأشياء بالنسبة لي أن أرى نساءً عُمانيات يعملن معي في هذا المجال، ونتعلم من بعضنا ونتبادل الخبرات.
5. من خلال تجربتكِ، ما الذي يمنع بعض النساء من خوض مجالات جديدة وغير تقليدية؟
أعتقد أن السبب يختلف من امرأة إلى أخرى، لكن الخوف من المجهول والخروج من منطقة الراحة قد يكونان من أكثر الأمور التي تجعل المرأة تتردد، خصوصًا عندما تكون التجربة بعيدة عن المألوف بالنسبة لها. وأحيانًا لا يكون الخوف من التجربة نفسها، بل من عدم معرفة من سيقودها أو عدم وجود شخص تشعر معه بالثقة والراحة.
وهذا ما لاحظته كثيرًا في عملي. فوجود شخص داعم وموثوق يشرح للمرأة ما سيحدث ويكون إلى جانبها خطوة بخطوة يمكن أن يغير تجربتها بالكامل. لذلك أؤمن أن توفير الفرص مهم، لكن الأهم أن تكون في بيئة تشعر فيها المرأة بالثقة والأمان حتى تستطيع أن تخطو خطوتها الأولى.

6. هل هناك امرأة أو قصة لامرأة التقيتِ بها من خلال تجربتكِ البحرية تركت أثرًا خاصًا فيكِ؟
من الصعب أن أختار امرأة واحدة، لأن كل امرأة التقيت بها من خلال البحر تركت أثرًا مختلفًا في داخلي، سواء كانت عُمانية أو زائرة من خارج السلطنة.
أحيانًا يكون الأثر في امرأة جاءت وهي تخاف من الماء، ثم أراها بعد التجربة أكثر راحة وثقة، أو في امرأة تخوض للمرة الأولى تجربة بحرية جديدة وتغادر وهي تحمل حماسًا لاكتشاف المزيد.
ومن الجميل أيضًا أن ألتقي بنساء من ثقافات مختلفة يأتين إلى عُمان ويكتشفن بحرها وطبيعتها للمرة الأولى. رؤية انبهارهن بجمال السلطنة تجعلني أراها من منظور مختلف وتذكرني بمدى ثراء الطبيعة التي نعيش بينها.
لذلك، أكثر ما ترك أثرًا في نفسي هو مجموع هذه اللقاءات والتجارب؛ كل امرأة شاركتني جزءًا من رحلتها، وتركت لي في المقابل شيئًا من قصتها.
7. ماذا تعلمتِ من البحر عن القيادة والشجاعة والتعامل مع التحديات؟
علمني البحر قبل كل شيء الهدوء. أصبح بالنسبة لي مصدر أمان، وعلمني أن أتعامل مع المواقف بهدوء وتركيز حتى عندما لا تسير الأمور كما توقعت.
كما علمني أن الإنسان لا يعرف حدوده الحقيقية إلا عندما يجرؤ على تجاوزها. في الغوص الحر، قد تصلين إلى عمق 30 مترًا بنفس واحد، ثم تعودين إلى السطح وأنت تحملين شعور الإنجاز والسعادة. وكلما غصت أعمق، لم أكتشف تفاصيل جديدة تحت الماء فقط، بل اكتشفت جوانب جديدة من نفسي؛ قدرتي على التركيز، ومواجهة الخوف، والهدوء تحت الضغط.
وهذا ما أحاول أن أحمله معي في القيادة وفي حياتي بشكل عام: أن التحديات لا تعني أن نتوقف، وإنما أن نتعامل معها بهدوء ونتعلم منها ونكتشف إلى أي مدى يمكننا أن نصل.

8. هل ترين أن رؤية المرأة لذاتها تتغير عندما تُمنح فرصة لخوض تجربة جديدة؟
بالتأكيد. أرى هذا التغيير بوضوح من خلال النساء اللواتي يشاركننا رحلاتنا. كثير منهن يأتين متوترات لأن التجربة جديدة، خصوصًا إذا كانت لديهن رهبة من البحر أو السباحة، لكن عندما يجدن شخصًا يثقن به ويكون إلى جانبهن خطوة بخطوة، يتحول التوتر إلى فضول وحماس.
وأحيانًا تكون أجمل لحظة بالنسبة لي عندما أسمع في نهاية الرحلة: «ما توقعت أني أقدر أسوي كل هذا، وهذي أكيد ما رح تكون آخر مرة».
وأحرص دائمًا على أن تتذكر كل امرأة أن ما حققته لم يكن بفضل أحد، بل لأنها قررت أن تمنح نفسها الفرصة وثقت بنفسها وخرجت من منطقة راحتها. ونحن فقط كنا هناك لنهيئ لها البيئة المناسبة ونشاركها جمال البحر.

9. كيف يمكن لعُمان أن تستثمر في طاقات النساء في المجالات البحرية والسياحة والرياضات والمغامرات، خصوصًا مع رؤية عُمان 2040؟
تمتلك عُمان مقومات كبيرة للاستثمار في طاقات النساء في هذه المجالات، خصوصًا مع توجه رؤية عُمان 2040 نحو تنويع الاقتصاد وتطوير قطاع السياحة وتمكين الكفاءات الوطنية.
ومن وجهة نظري، يبدأ ذلك بالاستثمار في المهارات والخبرات، من خلال توفير المزيد من برامج التدريب والتأهيل، وإتاحة فرص حقيقية للمرأة العُمانية للعمل والقيادة في هذه القطاعات.
كما أن دعم المشاريع العُمانية الصغيرة والمتخصصة يمكن أن يصنع فرقًا كبيرًا. أحيانًا تكون الفكرة والشغف موجودين، لكن ما تحتاجه المرأة هو المساحة والفرصة والموارد لتحويل شغفها إلى مشروع مستدام.
وعُمان بما تتمتع به من بحر وجزر وشواطئ وجبال وأودية، تملك ثروة طبيعية تفتح أبوابًا واسعة أمام السياحة والمغامرات والرياضات المختلفة.
وأتمنى أن نرى مستقبلًا مساحة أكبر للمرأة العُمانية في هذه القطاعات، ليس فقط كمشاركة في التجربة، وإنما كقائدة وصاحبة مشروع وخبيرة وصانعة لهذه التجارب.
10. ما المجال غير التقليدي الذي تتمنين أن تري فيه مزيدًا من العُمانيات خلال السنوات القادمة؟
لا أتمنى أن نحدد للمرأة العُمانية مجالًا واحدًا باعتباره «غير تقليدي». أتمنى أن يصبح اختيار المرأة لمجالها مرتبطًا بشغفها وقدراتها، وليس بمدى كونه مألوفًا أو غير مألوف.
أتمنى أن أرى المزيد من العُمانيات في البحر والمغامرات والرياضات والمجالات الإبداعية، وأن نرى نساءً يكتشفن مجالات جديدة ربما لم نفكر فيها اليوم.
الأجمل بالنسبة لي هو أن تصبح عبارة «هذا مجال غير تقليدي للمرأة» أقل حضورًا مع الوقت، وأن يكون الطموح هو الشيء الذي يحدد المجال، لا الصورة النمطية عنه.

11. في يوم المرأة العُمانية، ما الرسالة التي توجهينها إلى فتاة تفكر في دخول مجال لا تزال النساء فيه قلة؟
لا تجعلي أي شيء يعيقك عن الوصول إلى ما تطمحين إليه. الشيء الذي يخيفك اليوم قد يكون هو نفسه السبب الذي يجعلك تكتشفين قوتك وتنجحين غدًا.
آمني بنفسك وبطموحاتك، وثقي بما تستطيعين تقديمه في أي مجال تختارينه. لا تنتظري أن يكون الطريق مألوفًا أو أن يسبقك إليه الكثيرون، فأحيانًا أجمل الإنجازات تبدأ من مكان لم يعتد الناس أن يروا المرأة فيه.
ودائمًا تذكري أنك نجمة. وحتى لو لم يرَ الجميع نورك اليوم، استمري في السعي والتطور، لأنك ستسطعين يومًا بالطريقة التي تستحقينها.
الانستغرام: ocean.emotions.om




