هنّ _ خاص
تبدأ بعض الأحلام بسؤال صغير… «كيف صُنعت هذه اللعبة؟». هكذا بدأ فضول المهندسة سارة المحرزية، قبل أن يتحول إلى شغف بالبرمجة وتطوير الألعاب، ثم إلى رحلة امتدت لنحو تسع سنوات، أخذتها من التعلم والتجربة إلى تطوير ألعابها الخاصة، وصولًا إلى شراكة مع PlayStation كمطورة ألعاب.
اليوم، تضع سارة عينيها على ما هو أبعد من تطوير لعبة واحدة؛ فهي تستكمل العمل على «Ember»، وتحلم بتأسيس استوديو ألعاب عُماني باسم «Rubioza»، يطوّر ألعابًا أصلية ويفتح المجال أمام المواهب العُمانية للمشاركة في صناعة تتجه نحو آفاق عالمية.
سارة المحرزية، مهندسة برمجيات ومطورة ألعاب، تخوض اليوم مرحلة جديدة من رحلتها، برؤية تتجاوز اللعبة الواحدة نحو بناء تجربة وصناعة يمكن أن تنطلق من عُمان إلى العالم.
في «هنّ.. المستقبل»، نلتقي سارة لنتعرف إلى رحلتها في عالم الألعاب، وما تعلمته خلال سنوات العمل، وما تتطلع إلى بنائه للمرحلة المقبلة.
كيف بدأت رحلتك مع البرمجة وتطوير الألعاب؟ وما الذي جذبك إلى هذا المجال؟
بدأت رحلتي مع البرمجة من حبي للألعاب. في المرحلة الثانوية، تحوّل فضولي من «كيف ألعب؟» إلى «كيف صنعوا هذه اللعبة؟»، وأصبحت أريد فهم كيفية تحريك الشخصيات وبناء العوالم وتحويل البرمجة إلى تجربة كاملة.
لذلك درست هندسة البرمجيات، ثم تعمقت في تطوير الألعاب من خلال التعلم، والتجربة والدورات والمشاريع. وأكثر ما جذبني أنه يجمع بين البرمجة والإبداع والفن ورواية القصص، ويمنحني القدرة على صناعة تجربة تجعل اللاعب يضحك أو يتأثر أو يفكر.
بعد نحو تسع سنوات في تطوير الألعاب، ما أبرز المحطات التي شكّلت مسيرتك؟
بدأت بالتعلم الذاتي، ثم درست هندسة البرمجيات وانتقلت إلى مشاريع وتجارب عملية متنوعة. ومن أبرز المحطات حصولي على تدريب متخصص في تطوير الألعاب باستخدام Unity ضمن برنامج «مكين»، والعمل على مشاريع مختلفة، من الألعاب القصصية إلى التدريب والواقع الافتراضي، وصولًا إلى الشراكة مع PlayStation كمطورة ألعاب.
واكتسبت خلال هذه الرحلة مهارات في البرمجة والخوارزميات، وتصميم تجربة اللاعب، والسرد القصصي، وإدارة المشروع من الفكرة إلى التنفيذ، إلى جانب الصبر وحل المشكلات والتعلم المستمر.

كيف تحولين الفكرة والقصة إلى تجربة لعبة متكاملة؟
أبدأ بكتابة القصة وتحديد كيفية ظهورها داخل اللعبة، ثم أنتقل إلى التصميم، وبعدها إلى البرمجة. فالقصة تحدد اتجاه المشروع، والتصميم يحولها إلى تجربة بصرية وتفاعلية، والبرمجة تنفذ هذه العناصر عمليًا.
وأركز كثيرًا على مشاعر اللاعب، وأسأل نفسي ما الذي أريد أن يشعر به في كل لحظة، لذلك أحرص على تثبيت الفكرة والقصة والتجربة الشعورية أولًا، ثم أبني بقية العناصر عليها.
ماذا تعني لك شراكتك مع PlayStation، وكيف وصلتِ إليها؟
تمثل الشراكة مع PlayStation إنجازًا كبيرًا بالنسبة لي وحلمًا سعيت إليه لسنوات، وأراها ثمرة العمل والتعلم والمحاولة، كما أراها خطوة تؤكد أن المطور العُماني قادر على الوصول إلى المنصات العالمية.
بدأت عندما تواصلت مع PlayStation وقدمت فكرة المشروع، ثم مررت بالإجراءات والمتطلبات وقدمت المستندات المطلوبة. وتلقيت رفضًا أكثر من مرة بسبب بعض جوانب اللعبة، فراجعت القصة وعدّلت عددًا من التفاصيل وواصلت تطوير المشروع حتى حصلت على الموافقة.
والشراكة تمت باسمي كمطورة ألعاب، وهي شراكة وليست تمويلًا من PlayStation.
حدثينا عن لعبة «Ember» والرسالة التي أردتِ إيصالها من خلالها.
«Ember» نتاج نحو خمس سنوات من الكتابة والتطوير، ومرت بمراحل وتغييرات كثيرة. وهي لعبة قصصية تمزج السرد العميق بالمشاعر والحماس والمغامرة، ويعيش اللاعب خلالها مواقف قريبة من الحياة الواقعية ليشعر بأنه جزء من الرحلة.
ومن رسائلها الأساسية أهمية التمسك بالأهداف وعدم السماح للضغوط أو التأثيرات السلبية أو الصداقات السيئة بتغيير المسار، إلى جانب فكرة أن بعض القرارات الصغيرة قد تقود إلى طريق يصعب الخروج منه.
أريد أن يستمتع اللاعب بالمغامرة، وفي الوقت نفسه يصبح أكثر وعيًا بتأثير اختياراته، وبأن قرارًا واحدًا قد يغير الكثير في حياته.
ما أبرز التحديات التي واجهتك كامرأة عُمانية في مجال لا يزال ناشئًا في السلطنة؟
لم أشعر أن كوني امرأة جعلني أدخل مجالًا خاصًا بالرجال؛ بالنسبة لي، تطوير الألعاب يعتمد على المعرفة والمهارة والشغف. أما التحدي الحقيقي فكان أن المجال لا يزال ناشئًا في السلطنة، ولم يكن مسارًا مهنيًا واضحًا عندما بدأت، وكانت الفرص محدودة والخبرات المحلية قليلة.
اعتمدت في البداية على التعلم الذاتي والإنترنت والتواصل مع أشخاص من خارج السلطنة، ثم استفدت من التدريب ضمن برنامج «مكين» مع خبراء من خارج عُمان. وتغلبت على هذه التحديات بالتعلم المستمر وعدم السماح للصعوبات أو التعليقات السلبية بإيقافي.
لاحظت أيضًا أن وجود مطورة ألعاب عُمانية كان أمرًا غير معتاد بالنسبة لبعض الناس، لكنني لم أواجه عوائق كبيرة لمجرد كوني امرأة. وأؤمن أن أفضل طريقة لإثبات المكان هي العمل والنتائج.
مررتِ برحلة طويلة في تطوير الألعاب. هل فكرتِ في التوقف؟ وما الذي أبقى شغفك حيًا؟
فكرت في التوقف أكثر من مرة، خصوصًا عندما كنت أسمع كلامًا محبطًا عن مستقبل تطوير الألعاب في عُمان، أو أشعر أن الطريق أطول وأصعب مما توقعت.
لكن في كل مرة كنت أعود وأتذكر لماذا بدأت أصلًا، وأتذكر حلمي بـ «Ember» ورغبتي في أن أراها يومًا كلعبة حقيقية تصل للناس. أكثر شيء حافظ على شغفي هو أننا كل فترة نحقق خطوة جديدة تقرّبنا منها، سواء كانت في الفكرة، القصة، التخطيط أو بناء الفريق حولها. هذه الخطوات الصغيرة دائمًا تذكرني أن الحلم يتحرك فعلًا إلى الأمام.
أيضًا دعم والدتي والدي وزوجي وإخوتي وأصدقائي كان مهمًا جدًا بالنسبة لي، والأهم أنني أريد أن يرى أطفالي أن الطريق نحو الحلم قد يكون طويلًا ومتعبًا، لكن هذا لا يعني أن نتخلى عنه.
بالنسبة لي، الشغف لا يعني أنك لا تتعب أو لا تفكر في التوقف، بل أن تجد دائمًا سببًا يجعلك ترجع وتكمل.

ما طموحك للمرحلة المقبلة، وماذا تريدين أن تصنعي من خلال «Rubioza»؟
طموحي الأول حاليًا هو استكمال تطوير «Ember» والوصول بها إلى الشكل والجودة التي أطمح إليها.
وبعد ذلك أخطط، بإذن الله، لتأسيس استوديو ألعاب عُماني باسم «Rubioza»، وتطوير أكثر من لعبة أصلية تحمل بصمتنا وتستطيع المنافسة عالميًا.
كما أطمح إلى توفير فرص للمطورين والفنانين العُمانيين والاستثمار في خبراتهم ومنحهم المساحة والدعم للمشاركة في صناعة ألعاب كبيرة. ومن أكبر أحلامي أن يصل استوديو عُماني يومًا ما إلى The Game Awards، وأن تُرشح إحدى ألعابنا لجائزة Game of the Year.
ما الرسالة التي توجهينها للفتيات اللواتي يحلمن بدخول البرمجة وتطوير الألعاب؟
رسالتي أن تبدأ وألا تنتظر حتى تتعلم كل شيء، لأن جزءًا كبيرًا من التعلم يحدث أثناء الرحلة نفسها. يجب أن تعلم أنها لا تحتاج في البداية إلى مشروع ضخم؛ فقد تكون لعبة صغيرة أو دورة واحدة كافية لفتح الباب. والأخطاء والفشل جزء طبيعي من التعلم، ولا يعنيان أنها غير مناسبة للمجال.
أنصحها أيضًا بألا تقارن نفسها بمن لديهم سنوات طويلة من الخبرة، وأن تبدأ بخطوات بسيطة وتتطور من مشروع إلى آخر، وتبحث عن أفكار أصلية تحمل بصمتها الخاصة، وأخيراً أقول: ابدئي بما تعرفينه اليوم، وتعلمي ما تحتاجينه غدًا.
كيف توفقين بين العمل والأسرة، وما الدور الذي لعبه الدعم العائلي في رحلتك؟
أتعامل مع التوازن بمرونة، وأقسم العمل إلى مهام صغيرة، وأستغل الأوقات التي يكون فيها أطفالي نائمين أو مع والدهم أو العائلة.
وللدعم العائلي دور كبير في استمراري؛ فزوجي يساندني ويقضي وقتًا مع الأطفال عندما أحتاج إلى التركيز، ووالدتي تعتني بهم خلال الاجتماعات أو الالتزامات المهمة.
وأعطي الأولوية لأطفالي، لذلك رتبت مساحة عملي داخل غرفة ألعابهم، فأكون معهم في المكان نفسه بينما أعمل على مشروعي. المرونة وتنظيم الوقت ودعم الأسرة تجعل هذا التوازن ممكنًا، حتى لو لم يكن مثاليًا كل يوم.
عندما كنتِ طفلة، ما الألعاب التي تركت أثرًا فيك، وكيف أثرت في طريقك؟
لم أكن أتخيل وأنا طفلة أنني سأصنع لعبة، لكنني كنت أفكر كثيرًا في عوالم الألعاب وكيف صُممت وبُنيت تفاصيلها. تحول تطوير الألعاب إلى حلم حقيقي في المرحلة الثانوية.
تركت «The Sims» أثرًا كبيرًا فيّ، لأنها منحتني مساحة لبناء البيوت وصناعة الشخصيات والقصص داخل عالم أصنعه بنفسي. أما «Assassin’s Creed» فدفعتني إلى البحث عن البرمجة وفهم كيفية صناعة الألعاب، وكانت لدي أيضًا ذكريات مع ألعاب «WWE» و«Hercules» على PlayStation.
وألهمتني قصة هيديتاكا ميازاكي، المصمم خلف «Demon’s Souls»، خصوصًا فكرة التمسك بالحلم وعدم وضع حدود له بسبب الكلام السلبي.
لو عاد بك الزمن إلى أول يوم بدأتِ فيه تعلم البرمجة، ماذا ستقولين لنفسك؟
لو عاد بي الزمن، فلن أغير شيئًا من الرحلة. سأقول لنفسي: «لا تستعجلي، فكل شيء سيأتي في وقته الذي كتبه الله».
الأيام الصعبة والإحباط والمحاولات وكل لحظة شعرت فيها أن الطريق طويل كانت تبنيني ولم تكن تعطلني. لا تخافي من التأخير، ولا تقارني رحلتك برحلة أحد، واستمتعي بكل خطوة.
وتمسكي بشغفك، لأنه سيكون البوصلة التي تعيدك إلى الطريق كلما شعرتِ بالتعب. واليوم، لا أشعر أنني وصلت إلى نهاية الحلم، بل ما زلت في بدايته، وما زال لدي الكثير الذي أريد أن أقدمه لعُمان ولصناعة الألعاب.
أخيرًا.. أين ترين المرأة العُمانية؟
أراها في كل مجال تطمح إليه، تقود وتبتكر وتنافس عالميًا، مع حفاظها على هويتها العُمانية.
الانستغرام: S_mahrizi




