هنّ _ خاص
من ملاعب كرة الطاولة المحلية إلى البطولات الدولية، تخوض الحكمة الدولية عائشة السعيدية مسيرة تجمع بين الشغف والانضباط والدقة في اتخاذ القرار. وبحصولها على الشارة الزرقاء، تواصل السعيدية تطوير خبراتها التحكيمية، واضعةً نصب عينيها تمثيل سلطنة عُمان في المحافل العالمية، والإسهام في إعداد جيل جديد من الحكام والحكمات. في هذا الحوار، تتحدث عن كواليس التحكيم، وتحديات إدارة المباريات، وتجربتها كامرأة عُمانية في مجال رياضي يتطلب تركيزًا عاليًا وثقةً بالنفس.
كيف تصفين رحلتكِ في التحكيم الرياضي، وما أبرز التحولات التي شهدتها تجربتكِ منذ بداياتها؟
كانت رحلتي في التحكيم الرياضي مسيرةً من الشغف والطموح والتطوير المستمر. بدأت برغبة حقيقية في دخول هذا المجال والتعرّف إلى تفاصيله، ومع مرور الوقت تحوّل الشغف إلى مسؤولية أعتز بها. مررت بمراحل متعددة اكتسبت خلالها الخبرة والمعرفة، وأسهمت مشاركاتي في البطولات المحلية والإقليمية والدولية في تطوير قدراتي وصقل شخصيتي التحكيمية. ويُعد حصولي على الشارة الزرقاء محطة مهمة في مسيرتي، ومسؤولية تدفعني إلى مواصلة التعلّم والسعي نحو مزيد من التميز.

عندما تتابعين مباراة من مقعد الحكمة، ما التفاصيل التي تركزين عليها ولا ينتبه إليها المشاهد العادي؟
يتطلب التحكيم في كرة الطاولة تركيزًا عاليًا وملاحظة دقيقة لتفاصيل قد تبدو بسيطة للمشاهد، لكنها تؤثر في سير المباراة ونتيجتها. أركز على قانونية الإرسال، ووضعية اللاعب، وتسلسل النقاط، ولمسات الكرة، ومدى الالتزام بقوانين اللعبة، إلى جانب متابعة سلوك اللاعبين والتأكد من تطبيق اللوائح بصورة صحيحة. فالحكمة لا تتابع الكرة فحسب، بل تراقب مجموعة من التفاصيل المتزامنة التي تتطلب سرعة الملاحظة ودقة التقدير.
في اللحظات التي تتطلب اتخاذ قرار سريع، كيف توازنين بين سرعة الاستجابة ودقة الحكم على الموقف؟
يمثل الإلمام بقوانين اللعبة والخبرة العملية أساس اتخاذ القرار الصحيح. أحرص على التركيز والهدوء، وأدرّب نفسي باستمرار على قراءة المواقف المختلفة؛ لأن التردد قد يؤثر في سير المباراة، كما أن التسرع من دون التحقق من الموقف ليس خيارًا صحيحًا. ومع تراكم الخبرات والمشاركة في منافسات بمستويات مختلفة، تصبح القدرة على اتخاذ القرار أكثر ثباتًا وثقة، مع الالتزام بالقانون والحياد.

ما أبرز درس تعلّمتِه من إحدى المباريات، وكيف انعكس على أسلوبكِ في إدارة المنافسات؟
من أهم الدروس التي تعلمتها أن الثقة بالنفس يجب أن تقترن بالتواضع والاستعداد المستمر للتعلّم. فكل مباراة تحمل تجربة جديدة، وحتى المباريات التي تسير بصورة مثالية تمنح الحكمة فرصة لمراجعة أدائها وتطوير مهاراتها. كما أدركت أن إدارة المباراة لا تعتمد على معرفة القانون وحدها، بل تتطلب شخصية متزنة، وتركيزًا مستمرًا، وقدرة على التعامل مع الضغوط، والمحافظة على الحياد مهما بلغت أهمية المباراة أو مستوى اللاعبين.
كيف تتعاملين مع ردود فعل اللاعبين أو الأجهزة الفنية عندما لا يتفقون مع أحد قراراتكِ؟ وهل تختلف هذه المواقف في البطولات الدولية؟
أتعامل مع هذه المواقف بهدوء واحترافية، مع الحرص على أن يكون القانون المرجع الأساسي في جميع القرارات. أتفهم أن المنافسة قد ترفع مستوى التوتر لدى اللاعبين والأجهزة الفنية، خصوصًا في اللحظات الحاسمة؛ لذلك أحرص على الالتزام بالإجراءات التحكيمية والتواصل الواضح ضمن الحدود التي تسمح بها اللوائح. أما في البطولات الدولية، فتزداد المسؤولية مع ارتفاع مستوى المنافسة ودقة التفاصيل، كما يتطلب التعامل مع ثقافات مختلفة مرونة في التواصل، مع الثبات على المبادئ التحكيمية ذاتها.

ما الفارق الذي لمستِه بين إدارة المباريات محليًا والمشاركة في البطولات العالمية، سواء من حيث طبيعة المنافسة أو تفاصيل العمل التحكيمي؟
لكل مستوى من المنافسات خصوصيته، لكن البطولات العالمية تتميز عادة بارتفاع مستوى اللاعبين وشدة التنافس ودقة التفاصيل الفنية والتحكيمية. كما تتطلب استعدادًا أكبر والتزامًا عاليًا بالإجراءات والمعايير الدولية، إلى جانب القدرة على العمل ضمن فرق تحكيمية متعددة الجنسيات. وقد أسهمت مشاركاتي الخارجية في توسيع مداركي، وتبادل الخبرات مع حكام من دول مختلفة، والتعرّف إلى أساليب عمل متنوعة، وهو ما انعكس إيجابًا على أدائي وثقتي بنفسي في إدارة المباريات.
إلى جانب مشاركاتكِ الدولية، ما أبرز المحاور التي تتناولينها في الورش التدريبية التي تقدمينها في سلطنة عُمان؟ وكيف تسهم هذه الورش في تطوير مهارات الحكام ورفع كفاءتهم؟
أؤمن بأن نقل الخبرة إلى الحكام والحكمات في سلطنة عُمان جزء مهم من المسؤولية المهنية. وتركز الورش التدريبية على تعزيز فهم قوانين كرة الطاولة وتحديثاتها، وتطبيقها عمليًا في مواقف المباريات، وتطوير مهارات اتخاذ القرار وإدارة المنافسات والتعامل مع الضغوط. كما تتيح هذه الورش مناقشة الحالات التحكيمية وتبادل الخبرات، بما يساعد على توحيد الفهم وتطوير الأداء. وأطمح إلى أن تسهم هذه الجهود في إعداد كوادر تحكيمية وطنية مؤهلة، قادرة على تمثيل السلطنة في المحافل الخارجية بكفاءة وثقة.
كيف تصفين تجربتكِ كامرأة عُمانية في مجال التحكيم الرياضي؟ وهل شعرتِ في بعض المراحل بأن عليكِ بذل جهد إضافي لإثبات كفاءتكِ؟
أعتز بكوني امرأة عُمانية تمثل سلطنة عُمان في مجال التحكيم الرياضي، وأرى أن هذه التجربة تجمع بين المسؤولية والفخر. فالعمل في المجال الرياضي يحتاج إلى الكفاءة والاجتهاد والاستمرارية، وأؤمن بأن العمل الجاد وتطوير المهارات هما الطريق الحقيقي لإثبات الذات. وقد يتطلب الوصول إلى المستويات المتقدمة صبرًا وجهدًا كبيرين، لكنني أتعامل مع ذلك بوصفه دافعًا إلى التطور لا عائقًا أمامه. وأتمنى أن تكون تجربتي حافزًا للفتيات العُمانيات لخوض المجالات الرياضية المختلفة، والثقة بقدراتهن، والسعي إلى تحقيق طموحاتهن.

ما الجانب في مهنة التحكيم الذي ترين أنه لا يحظى بالفهم الكافي لدى الجمهور، وتتمنين لو أُتيح له التعرّف إليه عن قرب؟
أعتقد أن حجم المسؤولية والتركيز اللذين تتطلبهما مهنة التحكيم لا يحظيان دائمًا بالتقدير الكافي. فالجمهور يشاهد المباراة ويتابع نتيجتها، لكنه قد لا يدرك أن الحكمة مطالبة باتخاذ قرارات دقيقة في أجزاء من الثانية، مع المحافظة على التركيز والحياد طوال المنافسة. كما أن التحكيم لا يقتصر على احتساب النقاط، بل يشمل الإلمام بالقوانين وتطبيقها، والاستعداد الذهني والبدني، والالتزام بالمعايير المهنية. وأتمنى أن يحظى دور الحكام والتحديات التي يواجهونها بمزيد من التوعية والاهتمام، بما يعزز ثقافة الاحترام والتقدير داخل الوسط الرياضي.
ما الذي تطمحين إلى تحقيقه في المرحلة المقبلة، سواء على مستوى التحكيم الدولي أو في مساركِ المهني عمومًا؟
أطمح إلى مواصلة التطور في مسيرتي التحكيمية، والمشاركة في بطولات دولية وعالمية أكبر، والوصول إلى مستويات متقدمة تمكّنني من تمثيل سلطنة عُمان بالصورة التي تليق بها. كما أسعى إلى توسيع خبرتي ونقلها إلى الحكام والحكمات في السلطنة، والمساهمة في تطوير منظومة التحكيم في كرة الطاولة. فالنجاح، بالنسبة إليّ، لا يقتصر على الإنجازات الشخصية، بل يشمل أيضًا الأثر الذي أتركه في الآخرين، والإسهام في إعداد جيل جديد من الكفاءات العُمانية القادرة على المنافسة والتميز على المستوى الدولي.
الانستغرام: aisha_alsaidi92




