هنّ _ خاص
من خلال كتبها «للسعادة عنوان اسمه أنتِ» و «ولكِ القرار: خطوة نحو الحلم»، قدّمت أميمة العجمية رؤيتها للإنسان وعلاقته بذاته، مستندةً إلى تجربة شخصية واهتمام بفهم النفس والحياة. في هذا الحوار، نقترب من تجربتها في الكتابة وما قادتها إليه من أسئلة ورؤى، وصولاً إلى كتابها المرتقب «امرأة من ضوء»، الذي تقترب فيه أكثر من المرأة خلف أدوارها وصورتها أمام الآخرين.
– بدأتِ الكتابة من تجربة شخصية، ثم تحولت تلك التجربة إلى كتاب. ما الذي دفعكِ وقتها إلى مشاركة ما عشته مع الآخرين، بدلاً من أن يبقى تجربة خاصة بكِ؟
أعتقد أنَّ بعض التجارب لا تأتي إلى حياتنا فقط لنعيشها، وإنما لتعلّمنا شيئاً يمكن أن نشاركه مع الآخرين. عندما بدأت الكتابة، لم تكن لديّ في البداية فكرة أنَّ ما أكتبه سيتحول إلى كتاب. كنت أكتب لأفهم نفسي، وأرتب أفكاري ومشاعري، ثم اكتشفت أنَّ كثيراً مما أعيشه قد يشبه تجربة شخص آخر يبحث عن كلمة تطمئنه أو فكرة تمنحه دفعة.
لذلك شعرت أنَّ الاحتفاظ بالتجربة لنفسي قد يجعلها مجرد تجربة شخصية، بينما مشاركتها ربما تمنحها معنى أكبر. وهذا ما جعلني أؤمن بأنَّ الكتابة يمكن أن تتحول من مساحة للتعبير عن الذات إلى مساحة للقاء مع الآخرين.

-«للسعادة عنوان اسمه أنتِ»، ثم «ولكِ القرار: خطوة نحو الحلم»، ثم «لنفسكِ»… عندما تنظرين إلى هذه الإصدارات اليوم، هل ترين بينها خيطاً واحداً، أم أنَّ كل كتاب جاء استجابة لمرحلة مختلفة منكِ؟
أرى أنَّ بينها خيطاً واحداً، وهو الإنسان وعلاقته بنفسه وبحياته، لكن كل كتاب جاء فعلاً من مرحلة مختلفة «للسعادة عنوان اسمه أنتِ» كان أقرب إلى اكتشاف معنى السعادة من الداخل، وأننا أحياناً نبحث عنها في الخارج بينما نغفل عن علاقتنا بأنفسنا.
ثم جاء «ولكِ القرار: خطوة نحو الحلم» في مرحلة أصبح فيها السؤال بالنسبة لي ليس فقط: ماذا نريد؟ وإنما: ماذا سنفعل بما نريد؟ لأنَّ الحلم من دون قرار وخطوة يبقى فكرة جميلة.
أما «لنفسكِ» فكان أكثر قرباً من فكرة العودة إلى الذات، وإعطاء الإنسان مساحة ليفهم نفسه ويهتم بها دون شعور بالذنب.
واليوم، عندما أنظر إلى الكتب الثلاثة، أشعر أنها تشبه محطات في رحلة واحدة، بدأت من سؤال: كيف أكون أكثر سعادة؟ ثم انتقلت إلى: ماذا أريد أن أختار؟ ثم إلى: ماذا تعني علاقتي بنفسي؟

– قلتِ سابقاً إنكِ كنتِ تقرئين في المجالات التي شعرتِ أنكِ بحاجة إلى تطوير نفسكِ فيها. هل أصبحتِ اليوم أكثر ميلاً إلى الكتابة عما تعرفينه جيداً، أم عما لا تزالين تحاولين فهمه؟
أصبحت أكثر ميلًا إلى الكتابة عما لا أزال أتعلمه وأفهمه. بالنسبة لي، الكاتب ليس شخصاً يمتلك جميع الإجابات، وإنما شخص لديه القدرة على طرح الأسئلة بصدق. وكلما تقدمت في العمر والتجربة، اكتشفت أنَّ الحياة أوسع من أي إجابة جاهزة.
لذلك أصبحت كتابتي اليوم أكثر هدوءاً وأقل اعتماداً على تقديم النصائح المباشرة. أكتب من التجربة، ومن الأسئلة، ومن الأشياء التي ما زلت أتعلمها. وربما هذا ما يجعل النص أكثر صدقاً وقرباً من القارئ.
– في كتب التنمية الذاتية، كيف تميزين بين الفكرة التي يمكن أن تساعد القارئ فعلاً، وبين النصيحة الجميلة التي تبدو مؤثرة لحظة قراءتها لكنها لا تصمد أمام الحياة؟
أعتقد أنَّ الاختبار الحقيقي لأي فكرة هو الحياة نفسها. الفكرة التي تساعد الإنسان فعلاً ليست بالضرورة الأكثر جمالاً أو الأكثر إلهاماً، وإنما تلك التي يستطيع أن يأخذها معه بعد أن يغلق الكتاب ويطبقها في حياته، حتى لو بخطوة صغيرة.
أنا أيضاً لا أحب أن أقدم للقارئ صورة مثالية عن الحياة، لأنَّ الحياة ليست دائماً سهلة، ولا يمكننا أن نقول للإنسان ببساطة: كن إيجابياً وستتغير كل الأمور. هناك ظروف، وخسارات، وتأجيل، وفشل، ومسؤوليات. لذلك أحاول أن تكون كتابتي واقعية، تمنح الإنسان مساحة للأمل، ولكن من دون أن تنكر صعوبة الطريق.

– كثير من كتب التنمية الذاتية تتحدث عن تغيير الحياة، وتحقيق الأحلام، والثقة بالنفس. ما الفكرة التي تشعرين أنَّ القارئ اليوم يحتاج إلى سماعها أكثر؟
أعتقد أننا نحتاج اليوم إلى أن نقول للإنسان: ليس مطلوباً منك أن تكون مثالياً طوال الوقت. نحن نعيش في زمن يجعلنا نرى نجاحات الآخرين باستمرار، ونقارن بداياتنا بنتائجهم، ونشعر أحياناً أننا متأخرون عن الركب. أعتقد أنَّ الإنسان يحتاج إلى أن يفهم أنَّ لكل شخص توقيته الخاص، وأنَّ التعثر لا يعني الفشل، وأنَّ التوقف أحياناً لا يعني الاستسلام. أحياناً أكبر خطوة في طريق التطور ليست أن نفعل المزيد، وإنما أن نفهم أنفسنا أكثر، وأن نعرف متى نكمل ومتى نعيد ترتيب الطريق.
– هل ترين أنَّ الإنسان يحتاج دائماً إلى أن يغيّر نفسه حتى يصبح أفضل، أم أنَّ جزءاً من النضج هو أن يتصالح مع بعض جوانبه كما هي؟
أعتقد أنَّ النضج يجمع بين الأمرين. هناك جوانب فينا تحتاج إلى تطوير، وأخرى تحتاج إلى قبول. المشكلة تبدأ عندما نعتقد أن علينا تغيير كل شيء في أنفسنا حتى نستحق أن نكون أفضل. مع الوقت تعلمت أنَّ التصالح مع الذات لا يعني التوقف عن التطور. بالعكس، عندما يتقبل الإنسان نفسه بصدق يصبح أكثر قدرة على تطويرها دون قسوة. أنا لا أؤمن بفكرة أنَّ علينا أن نصبح أشخاصاً آخرين، وإنما أن نصبح نسخة أكثر وعياً وصدقاً من أنفسنا.

– من أكثر الأفكار حضوراً في التنمية الذاتية أنَّ الإنسان مسؤول عن اختياراته، لكن الحياة لا تمنح الجميع الظروف نفسها. أين تضعين الحد الفاصل بين مسؤولية الإنسان عن حياته وبين الظروف التي لا يملك التحكم فيها؟
هذه من أكثر النقاط التي أصبحت أراها بوضوح مع مرور الوقت. نعم، نحن مسؤولون عن اختياراتنا، لكننا لسنا مسؤولين عن كل ما يحدث لنا.. هناك أشياء نختارها، وأشياء تحدث لنا دون اختيار: ظروف، خسارات، مسؤوليات، أشخاص، وأحياناً أبواب تُغلق رغم كل محاولاتنا. مسؤوليتنا تبدأ في الطريقة التي نتعامل بها مع ما يحدث، وليس في الادعاء بأننا نستطيع التحكم في كل شيء.
وأعتقد أنَّ هذا التفريق مهم جداً، لأنَّ تحميل الإنسان مسؤولية كل شيء قد يتحول من تحفيز إلى ضغط. أحياناً القوة ليست في تغيير الواقع، وإنما في معرفة كيف نعيش معه ونبدأ من النقطة التي نستطيع التحكم فيها.
– عنوان «ولكِ القرار: خطوة نحو الحلم» يضع القرار في مواجهة الحلم. برأيكِ، ما الذي يمنع الناس في الغالب من اتخاذ الخطوة التي يعرفون أنهم يريدونها؟
الخوف، في رأيي، أحد أكبر الأسباب: الخوف من الفشل، ومن رأي الآخرين، ومن خسارة الاستقرار، وأحياناً الخوف حتى من النجاح نفسه وما قد يترتب عليه من مسؤوليات.
وأحياناً لا يكون الإنسان غير قادر على اتخاذ القرار، لكنه ينتظر أن يشعر بالجاهزية الكاملة، وهذه اللحظة قد لا تأتي.
تعلمت أنَّ بعض القرارات لا نعرف نتائجها مسبقاً، لكن يمكننا أن نعرف إن كانت الخطوة تتوافق مع قيمنا وما نريده لأنفسنا.
لذلك أقول دائماً: لا تنتظر أن يختفي الخوف حتى تبدأ، بل تعلّم أن تتحرك رغم وجوده، ولكن بوعي ومسؤولية.
– لديكِ خلفية تجمع بين الهندسة، والإعلام وتطوير الأعمال والابتكار. كيف انعكست هذه التجارب المتنوعة على طريقتكِ في الكتابة وفهم الإنسان واحتياجاته؟
ربما أكثر شيء منحني إياه هذا التنوع هو أنني تعلمت ألا أنظر إلى الإنسان من زاوية واحدة.
الهندسة علمتني التفكير بطريقة منظمة وتحليل المشكلات، والإعلام علمني الاستماع للناس والاقتراب من قصصهم وتجاربهم، بينما تطوير الأعمال وضعني أمام احتياجات مختلفة وقرارات وتحديات عملية.
أما الكتابة، فأشعر أنها المساحة التي تجمع كل هذه الجوانب. لذلك عندما أكتب عن الإنسان، أحاول ألا أراه كمجموعة من المشاعر فقط، ولا كمشكلة تحتاج إلى حل، وإنما كشخص لديه ظروف، وتجارب، وطموحات، وتناقضات.
– عملكِ في الإعلام جعلكِ قريبة من قصص وتجارب مختلفة. هل غيّر هذا القرب طريقتكِ في النظر إلى الشخصيات والدوافع عندما تكتبين؟
بالتأكيد، العمل الإعلامي علمني أنَّ كل شخص لديه قصة خلف الصورة التي نراها عنه، والعمل في بيئات مختلفة علمني أنَّ الناس لا يفكرون بالطريقة نفسها ولا تحركهم الدوافع نفسها.
وهذا جعلني أكثر حذراً في إطلاق الأحكام، وأكثر اهتماماً بفهم ما وراء التصرف. وأعتقد أنَّ الكاتب كلما استمع أكثر إلى الناس، أصبح أكثر قدرة على الكتابة عنهم بصدق، حتى عندما لا يتحدث عنهم بشكل مباشر.

– تعملين حالياً على إصداركِ الرابع «امرأة من ضوء»، وهو مشروع تتناولين فيه المرأة من زاوية مختلفة، بعيداً عن الصور النمطية عنها. ما الذي دفعكِ إلى هذا المشروع تحديداً، وماذا يمكن أن تكشفي لنا عنه للمرة الأولى؟
«امرأة من ضوء» مشروع قريب جداً مني، وربما هو الأكثر نضجاً بين مشاريعي حتى الآن. الفكرة بدأت من ملاحظة بسيطة: نحن كثيراً ما نتحدث عن المرأة من خلال أدوارها؛ أم، زوجة، ابنة، موظفة، قائدة… لكن ماذا عن المرأة كإنسانة لها عالمها الداخلي، وأحلامها، وأسئلتها، وأجزاء منها ربما لم تجد الفرصة لتظهر؟
في كتبي السابقة كنت أبحث عن الإنسان، أما في «امرأة من ضوء» فأقترب أكثر من المرأة التي تحمل أدواراً كثيرة، وأحياناً تنسى أن تسأل نفسها: ماذا أريد أنا؟ لا أريد أن أقدم المرأة بصورة مثالية أو أضعها في قالب واحد. بالعكس، أريد أن أقول إنَّ المرأة يمكن أن تكون قوية وحساسة في الوقت نفسه، ناجحة ومتعبة، واثقة ومترددة، وأنَّ كل هذه التناقضات لا تنتقص منها. أما الشيء الذي أستطيع الكشف عنه للمرة الأولى، فهو أنَّ «امرأة من ضوء» ليست كتاباً عن المرأة المثالية، وإنما عن المرأة الحقيقية، المرأة التي قد يراها الجميع بصورة، بينما تحمل في داخلها حكاية أخرى لم يروها بعد. ولهذا جاء العنوان «امرأة من ضوء»؛ لأنني أؤمن أنَّ الضوء الحقيقي لا يعني أن تكون الحياة بلا ظلال، وإنما أن يجد الإنسان نوره حتى وهو يمر بها.




