spot_img
المزيد

    آية السيابي: «دبيب» محطة جديدة في رحلة الكتابة وأسئلة الإنسان الخفية

    spot_img

    هنّ _ خاص

    مع صدور مجموعتها القصصية «دبيب»، تضيف الكاتبة العُمانية آية السيابي محطة جديدة إلى مشروعها السردي، الذي تنقلت فيه بين الرواية والقصة القصيرة عبر أعمال مثل «يباس» و«العنبر الخامس» و«لن أواري سوأتي». وخلال مسيرتها الأدبية، نالت جائزة الشارقة الثقافية لإبداعات المرأة الخليجية، وجائزة العُمانيات الرائدات في الثقافة والأدب. في هذا الحوار، تتحدث عن أحدث أعمالها، ورؤيتها للكتابة، وما تصنعه القراءة والعزلة والناس في عالمها الإبداعي.

     – صدر لكِ مؤخراً رابع أعمالك الأدبية، المجموعة القصصية «دبيب». ماذا تحمل هذه المجموعة من ملامح جديدة في تجربتك، وما الذي سيكتشفه القارئ فيها مقارنةً بأعمالك السابقة؟

    نعم، دبيب هو عنوان آخر أعمالي الأدبية من جنس المجموعات القصصية. وكنت فيها أكشف عن منطقة لم أكن قد وصت لها سابقا. لذا يجد القارئ في دبيب، صوتا مختلفا عما ألفه في أعمالي السابقة. كنت منشغلة بما يحدث تحت سطح الحكايات، وبالأفكار التي تتسلل إلى القارئ ببطء حتى تسكنه دون أن يشعر. لذلك جاءت القصص أكثر هدوءا في ظاهرها، رغم أنها تحمل القلق بين سطورها. حرصت أن أخلق أثرا في نفس من يتناول قصص دبيب.

     – تضم المجموعة قصصاً مثل: نرجسية، أبواب القلب السبعة، استجواب، آرش… واخترتِ «دبيب» عنواناً للمجموعة كلها، كما اختُتم الغلاف الخلفي بمقتطف من هذه القصة تحديداً. ما الذي يمثله “الدبيب” بالنسبة لكِ على المستوى الرمزي، ولماذا رأيتِ أنه الأقدر على التعبير عن روح المجموعة؟

    كلمة دبيب، مشتقة من الفعل “دبّ”، ومعناها في الاصطلاح الشرعي هو كل ما يدب على الأرض. بالنسبة لي، اعتمدت دبيب كعنوان للمجموعة بمعناها الرمزي. فهي كما أرى صورة للتحولات الخفية حولنا. فكل حدث في حياتنا يبدأ بدبيب صغير بالكاد ننتبه إليه. كأي فكرة، أو شعور سواء كان ايجابي أم سلبي، أو رغبة… الخ. ثم تكبر فينا هذه الأشياء تدريجيا حتى تشكل لنا مسار أو قد تصبح جزءا من حياتنا. وهذه الفكرة أرى أنها تتقاطع مع معظم قصص المجموعة، لذلك العنوان في حقيقته يعبّر عن الكيفية التي تتحرك بها الحياة داخل الحياة أو داخل الإنسان. بتسلل خفيف وعلى مهل. ولكن بقدرة هائلة على التغيير.

    –  يحضر التراث في بعض أعمالك بصورة طبيعية وغير مباشرة، كيف تنظرين إلى دوره في إثراء النص الأدبي دون أن يتحول إلى مادة توثيقية؟

    التراث جزء ممتد من إرثنا يسكن وعينا منذ الطفولة. لذا نجده حاضرا في لغتنا وطريقتنا في رؤية العالم. توظيفه في النص الأدبي يأتي كجزء من نسيج الشخصية ومنطقها الداخلي. والأدب كما أرى، يحتمل جزءا من مسؤولية اكتشاف الطبقات الإنسانية فيما ورثت ذاكرتنا. كما أن التراث اذا ما أضيف إلى السرد يضفي على النص عنصر جمالي وتوثيقي مهم.

    – تتنقلين بين الرواية والقصة القصيرة والمقال، ماذا يمنحك كل جنس أدبي ولا تجدينه في الآخر؟

    الرواية هي مهارة سرد التفاصيل والنفس الطويل، لذا فالرواية تمنحني التأني ولذة الغرق في نحت الشخصيات وتأمل مساراتها واختبار القدرة على تحولات الإنسان عبر مساحات أوسع. الرواية أيضا تمنحك فرصة لتصنع حدثا عبر التاريخ كأن تتشابك معه زمنيا. وتصحب بها القارئ بشكل يومي وتصاعدي وهذا ما لا يتسع له أي قالب أدبي آخر.

    القصة القصيرة تمنحني مهارة التكثيف اللغوي الذي يجب أن يصب بشكل عمودي ومباشر على النص مع الحفاظ على لذة النص حتى لا يفقد تياراته شعوريا. كما أنني دائما ما أتصور القصة كشرارة خاطفة إذا انطفأت فلن تمنحك لذة الاشتعال.

    أما المقال فهو مساحة مختلفة تماما، هو زاوية للتفكير المفتوح، أستطيع من خلاله أن أناقش فكرة أو قضية بشكل شخصي دون الحاجة لتوظيف شخصيات تنوب عني. كما أن المقال لا يحتمل مجازات واستعارات، فلغة المقال لغة مباشرة موضوعية وغير حالمة.

    بالنسبة لي ممارسة هذه الأجناس الثلاثة بشكل دوري، يجنبني السقوط في الخمول ويجعلني أكثر مرونة في التنقل بين ممارسة اللغة بإسهاب في الرواية، وتسليط الفكرة كاملة على قضية بعينها في مقال، والذكاء في توظيف الدهشة في القصة

     – قبل أن تبدئي الكتابة، أيهما يتشكل أولاً في ذهنك: الشخصية، أم الحكاية، أم المكان؟ وهل لديكِ شخصية كتبتِها ثم شعرتِ أنها تشبهك أكثر مما كنتِ تظنين؟

    المسألة لا تتعلق ببرمجة مسبقة كأن تكبس زرا لطلب أوردر جاهز! في الحقيقة، قد تشعل الفكرة في المشاريع الروائية أو القصصية مقطوعة موسيقية أو أغنية، أو قد يسوقني إليها كتاب أقرأه في نفس الفترة، وقد يكون أيضا نقاشا عابرا مررت به مع شخص ما أو موقفا حدث لي في احدى المدن.

    أما عن الشخصيات التي تشبهني، فأعتقد أن كل شخصية أكتبها تحمل جزءا مني، يسيرا كان أو عظيما. فحتى تلك التي أختلف معها تماما لابد وأنها تحمل شيئا من صوتي الشخصي. يبدو لي أن الكاتب لا ينسخ نفسه تماما في نصوصه، لكنك تجده في الأسئلة التي يثيرها وفي أفكاره ومخاوفه بين شخصياته.

     – بعيداً عن الكتابة، ما أكثر ما يغذي خيالك: السفر، أم الناس، أم القراءة، أم العزلة؟

    الناس أولا. الإنسان هو أكثر الكائنات إثارة للدهشة والجدل. لذا فهو المكون الرئيسي والأساسي لمادة رواية كاملة. وبالطبع أنت تلتقي بالناس في حلك وترحالك، لذا فالسفر والناس مرتبطان.

    ثم تأتي القراءة، لأنها تعلمني كيف أرى الإنسان، وتفتح لي نوافذ أجهلها حول العالم. والقراءة ترافقني في أسفاري عموما. كما أن فعل القراءة بحد ذاته سفرا.

    أما العزلة بالنسبة لي هي سر جميل وممارسة ذاتية أسبر فيها أغوار نفسي التي لن أصل إليها لولا التأمل، وأقول التأمل لأن العزلة بلا تأمل تظل منقوصة الأركان. أما عني، فأنا أمارس العزلة بقدر ما يتاح لي لإيماني بأنها معمل مهم تنضج فيه أفكاري بشكل مكتمل.

     – هل تحتفظين بدفتر للأفكار، أم أن أجمل الأفكار تفاجئك في أماكن لا تسمح بالكتابة؟

    مفكرة هاتفي تكاد تنفجر مما أدونه من ملاحظات! ولا شيء يزعجني أكثر من اشتعال فكرة ما أثناء الخيط الرفيع بين النوم واليقظة ثم أكتشف أنها فلتت مني قبل أن أدونها. أنا أطارد أفكاري وهواجسي باستمرار، ولست متأكدة حقيقة من منا يطارد الآخر! فأنا أكتب في أي مكان وفي كل مكان ولا أتخذ لي طقسا معينا يقودني إلى الكتابة. فما ان تخطر في بالي فكرة ما حتى أفتح هاتفي لأدونها في المفكرة.

     – عندما تتعثر الكتابة، هل لديكِ طقس أو عادة صغيرة تعيدك إلى النص؟

    لا أكتب بالإكراه، لذا فأنا لا أحاول استجلاب النص قسرا. عندما أشعر بحاجتي لمساحة، أترك المسودة زمنا، يطول أم يقصر لست أعلم ولا أتخذ في ذلك خطة مسبقة. أتوقف عن الكتابة وأشرع في الغرق في قراءاتي. أشعر حينها بأنني أعود إليه بفكر أكثر ثراءا ممتلئا بمخزون ابداعي. وفي الحقيقة.. أشعر أنه من الضروري جدا أن يبتعد الكاتب عن النص. فحين يعود إليه يقرؤه بعين أكثر وعيا متخلصا من أحماله. وكأنه يتقمص عين القارئ.

    – هل أنتِ من الكتّاب الذين يفضلون الهدوء التام أثناء الكتابة، أم أنَّ الضجيج قد يتحول أحياناً إلى مصدر للإلهام؟

    نعم، أفضل الهدوء التام حتى أصل إلى مرحلة الاندماج الحقيقي مع النص، حيث لا أعود أسمع حينها إلا صوت الشخصيات. وفي الحقيقة، على الرغم من عشقي الشديد للموسيقى الكلاسيكية، فإنني لا أحبذ سماعها أثناء الكتابة وقد أضطرب كثيرا إذا ما قاطعني أو حادثني أحدهم وأنا أخوض فعل الكتابة بمختلف أجناسها.

     –  لو التقيتِ بإحدى شخصياتك في الواقع، أي شخصية ستختارين لمشاركتها فنجان قهوة؟ ولماذا؟

    هذا سؤال مخاتل! ولكن أعتقد بأنني سأختار بعض الشخصيات في رواية العنبر الخامس، كشخصية سدرة مثلا.. أشعر بأنني في حاجة للتحدث إليها خارج أسوار العنبر الخامس. سأتركها تتحدث، لأنني أشعر أنها في الرواية لم تقل كل ما كانت تريد قوله.

     لو أتيح لكِ أن تدعي ثلاثة كتّاب، من أي زمن، إلى مائدة عشاء واحدة، فمن سيكونون؟ وما السؤال الذي تتمنين أن تطرحيه على كل واحد منهم؟

    سأختار قسطنطين جيورجيو، ودوستويفسكي، وطه حسين.

    سأسأل دوستويفسكي: كيف استطعت أن تجعل الإنسان متهما وقاضيا لنفسه في الوقت ذاته؟

    وسأسأل قسطنطين جيورجيو: أين ينتهي الواقع وتبدأ الأسطورة؟ وهل وصلنا إلى الساعة الخامسة والعشرون أم لا؟

    أما طه حسين فسأكتفي بأن أقول له: عشقت اللغة العربية بسببك.

     – الجوائز تحتفي بمنجزٍ تحقق، لكن الكاتب يبقى منشغلًا دائمًا بالعمل القادم. بعد هذا التقدير، كيف تحافظين على حريتك الإبداعية، وتكتبين للنص أولاً بعيداً عن أي توقعات قد يفرضها النجاح أو الجوائز؟

    الكاتب يهمه التقدير، والجوائز صورة من صور التقدير، ولكنها ليست الصورة الأهم. ولا ينبغي أن توجّه الجائزة بشكل او بآخر مسارات الكاتب فهذا أخطر ما قد يحدث بعد أي نجاح. وهو الكتابة سعيا للجائزة فقط.

    لذا، فأنا أحاول دائما عند الشروع في عمل جديد أن أتخلص أولا مما علق في ذاكرتي من آثار العمل السابق حتى لا أكرره بشكل أو بآخر. وأبدأ العمل بتجرد محض من أي تكهنات أو رقابة.

    بعد أربع تجارب أدبية، ما الذي تغيّر في آية السيابي الكاتبة: طريقة الكتابة، أم نظرتها إلى الأدب، أم علاقتها بالقارئ؟

    أعتقد أن الذي تغيّر هو علاقتي بالنص نفسه وبكيفية طرح الفكرة. ففي البداية كان ما يشغلني هو أن أقول كل ما أريد وفقط، أما اليوم فأنا أبحث عن أن أطرح أفكاري باختزال أكبر وأكثر دقة.

    تعلمت أن الأدب الحقيقي هو ما يثير الأسئلة أو يخلق شعورا جديدا في القارئ. وأعتقد أنه بقدر تعدد الأعمال تصبح علاقة الكاتب بالتدوين نهمة أكثر ولا تصل به إلى حد الاكتفاء.

    الانستغرام: aya_salim7

    انشر على السوشيال
    تاجز
    spot_img

    الأكثر قراءة

    العارضة “ثريا محمود”: جمال وموهبة يلفتان الأنظار

    تعد ثريا محمود من الشابات الجميلات اللواتي يقدمن محتوى مميزاً على وسائل التواصل الاجتماعي وهي تعمل كموديل مع خبيرات التجميل ومصممات الأزياء العمانيات.

    الفرق بين اللوس باودر والكومباكت باودر مع خبيرة التجميل ابتسام الفليتية

    تُعتبر اللوس باودر والكومباكت باودر من أهم أدوات التجميل التي تساعد على إطالة ثبات المكياج وتحسين مظهر البشرة. سنتعرف في هذا الموضوع على الفرق...

    “دي جي” حبيبة راشد.. مبدعة تشعل أجواء الحفلات  

    هنّ _ خاص حبيبة راشد امرأة عمانية متعددة المواهب والتخصصات، تعمل كمنسقة أغاني في الحفلات وبلوجر وفاشينيستا وهي أيضا ممرضة. إنها فنانة موهوبة متعددة المهارات،...
    spot_img

    المزيد

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا