هنّ _ خاص
في تفاصيل الحياة اليومية تختبئ الكثير من الممارسات التي تحمل ذاكرة المكان، ومن بينها طقوس الزينة التقليدية التي توارثتها المرأة العُمانية عبر الأجيال. ومن خلال عدسته، وثّق المصور محمود بن محمد الجابري مشاهد لطقس من هذه الطقوس، تظهر فيها أم أو جدة وهي تزيّن ابنتها باستخدام المحلب، في لحظة تجمع بين الزينة والعناية والذاكرة والتراث.
في هذا الحوار مع «هن»، يتحدث الجابري عن اهتمامه بتوثيق الموروث العُماني، وقصة صور المحلب، وما أراد أن ينقله من خلالها إلى الأجيال القادمة.
ما الذي تهتم بتوثيقه في سلطنة عُمان ومشاركته مع المتابعين؟
أهتم بتوثيق حياة الإنسان العُماني في تفاصيلها اليومية، والعادات والتقاليد والموروث الشعبي الذي يشكل روح المكان، إضافة إلى تصوير بعض المناطق التراثية التي تختزن الذاكرة، والوجوه التي تحمل ملامح الهوية وحكايات الزمن.
وما أشاركه مع المتابعين هو محاولة لحفظ هذا الجمال الإنساني والتراثي في صورة تشبه الذاكرة وتبقى أطول مع اللحظة.

حدثنا عن الصور التي وثقتها لزينة المرأة العُمانية التقليدية. ما قصتها؟
الصور التي التقطتها تجسّد لحظة تزيّن الأم أو الجدة لبناتها، وهي زينة المحلب المتوارثة بين الأجيال. تظهر فيها امرأة تُعد العجينة الطبيعية وتضعها على وجه فتاة، في لحظة تختلط فيها العناية بالتراث والاحتفاء بالجمال. هذه اللحظة ليست مجرد زينة، بل احتفال بالهوية ونقل للمعرفة التقليدية من جيل إلى آخر، وتعكس كيف كانت المرأة العُمانية تستفيد من الموارد الطبيعية التي توفرها البيئة للعناية بجمالها، ضمن سياق اجتماعي ومجتمعي امتد لسنوات طويلة. وكانت هذه الزينة تُستخدم في المناسبات الدينية مثل الأعياد، والمناسبات الوطنية، والزيارات وغيرها من المناسبات.
حدثنا عن بعض تفاصيل التجميل التقليدي الظاهرة في الصور؟
في سلطنة عُمان، كانت المرأة تستخدم مواد طبيعية من البيئة في طقوس الزينة والعناية بالبشرة قبل المناسبات والأعياد، ومن أشهر هذه المواد المحلب.

ما هو المحلب؟ وكيف ارتبط بالزينة والجمال في التراث العُماني؟
المحلب نبات يُعرف علمياً باسم Prunus mahaleb، وهو نوع من أشجار الكرز البري التي تنتمي إلى عائلة الورد. وتُستخرج من بذوره بودرة عطرية ذات طعم مميز ونكهة قوية، ويُستخدم المحلب تقليدياً في الطهي والخبز في العديد من الثقافات.
وفي السياق التراثي العُماني، لم يقتصر استخدام المحلب على كونه أحد التوابل، بل ارتبط أيضاً بطرائق تقليدية في الجمال والزينة الطبيعية لدى النساء، خاصة في الأعياد والمناسبات الاجتماعية.
وتُعد بذور المحلب المطحونة أساساً في بعض الخلطات التقليدية، لما تتميز به من رائحة عطرية، وفي بعض الطرق تُمزج بودرة المحلب مع ماء الورد أو مكونات نباتية أخرى لتشكيل عجينة تُطبّق على البشرة كجزء من طقوس الزينة التقليدية.
وتُعد هذه الممارسة جزءاً من التراث اللامادي الذي يعكس علاقة المرأة العُمانية بالبيئة المحلية، وحرصها على الاستفادة من الموارد الطبيعية المتاحة في العناية بالجمال قبل المناسبات، بعيداً عن مستحضرات التجميل الصناعية.
أما ما يُتداول حول الفوائد الصحية والتجميلية للمحلب، فتشير بعض المصادر والممارسات التقليدية إلى ارتباطه بفوائد محتملة للبشرة، مثل الترطيب، إضافة إلى خصائص مضادة للالتهاب، كما يُستخدم في بعض الثقافات ضمن الطعام وممارسات العناية التقليدية المرتبطة بالهضم والدعم الغذائي. ولا ينبغي التعامل مع هذه الاستخدامات التقليدية بوصفها فوائد علاجية مثبتة علمياً.

ما الذي أردت إبرازه من خلال هذه المشاهد؟
أردت إبراز أن هذه الزينة كانت ولا تزال جزءاً من التراث اللامادي، وتعكس علاقة المرأة العُمانية بالبيئة المحلية وحرصها على استخدام موارد طبيعية للعناية بالبشرة والجمال قبل المناسبات.
كما أنها موروث ينتقل من جيل إلى آخر، وأتمنى أن يستمر توثيقه والحفاظ عليه للأجيال القادمة، حفاظاً على هذا الإرث التقليدي في زينة المرأة العُمانية.
هل هناك أمر تود إضافته؟
ما أود إضافته هو أن تراثنا وعاداتنا وتقاليدنا ليست مجرد ذكريات، بل هي كنز حي ينبض بالحياة. عُمان، بكل جمالها وتراثها العميق، هي بالنسبة لي مصدر إلهام لا ينضب ومخزن بصري ثمين لكل مصور.
كل صورة ألتقطها هي لحظة تُحكى، وقصة تُحفظ، وذكريات تُنقل إلى العالم، لتظل هويتنا حية، وتراثنا مشرقاً بالألوان والمعاني، ملهماً للأجيال القادمة.

نبذة عن المصور محمود بن محمد الجابري
بدأ محمود بن محمد الجابري رحلته مع التصوير الفوتوغرافي عام 2016 بدافع الشغف وحب توثيق اللحظة. يهتم بتصوير وتوثيق حياة الإنسان والوجوه والسفر، مع تركيز خاص على العادات والتقاليد والموروث الشعبي، إضافة إلى توثيق بعض المناطق التراثية التي تختزن ذاكرة المكان والهوية، في عُمان وعدد من دول العالم.
وهو عضو في الجمعية العُمانية للفنون – قسم التصوير الضوئي، وعضو في الاتحاد الدولي لفن التصوير الضوئي (FIAP).
حصل على أكثر من 750 جائزة محلية ودولية، إضافة إلى نيله أربعة أوسمة وألقاب من الاتحاد الدولي لفن التصوير الضوئي، كما حصل على المركز الأول في نظام تقييم الأعضاء بالجمعية العُمانية للفنون – قسم التصوير الضوئي.
وصُنّف ضمن محوري الإنجازات في الأعوام 2019 و2020 و2021 و2022، وحصل على كأس التميز من الجمعية العُمانية للفنون لعام 2021، كما كُرّم من اللجنة الوطنية للشباب في أعوام 2019 و2020 و2021.
وشارك في العديد من المعارض المحلية والدولية، وقدم عدداً من الورش والدورات في أساسيات التصوير والتكوين والبورتريه، كما شارك في رحلات تصويرية إلى عدة دول، من بينها النيبال، والهند (إقليم جامو وكشمير)، وإندونيسيا، وبعض دول الخليج العربي.
الانستغرام: mm_aljabri




