هنّ _ خاص
من ولاية صور، تنطلق تجربة الفنانة العُمانية نورة النظيري، التي رافقها الغناء منذ طفولتها، قبل أن تأخذها دراسة الموسيقى والمشاركات الفنية إلى مساحة أوسع من التجربة والتعبير. وكان لها حضورٌ لافتٌ في أعمال مثل «قال يقول» و«فرحة أهلنا»، فيما تواصل نورة بحثها عن حضورها الخاص في الغناء، مستندة إلى علاقتها بالموسيقى وموروث المكان.
في هذا الحوار، تحدثنا معها عن بداياتها، وأعمالها، وعلاقتها بالأغنية العُمانية، وما تحمله تجربتها من رغبة في التطور والتجديد.
– متى شعرتِ للمرة الأولى أنَّ الغناء لم يعد مجرد هواية، بل طريقاً تريدين أن تكملي فيه؟
أعتقد أنَّ الإحساس بدأ معي منذ الطفولة، فالغناء بالنسبة لي لم يكن مجرد هواية عابرة، بل كان مساحة أعبّر فيها عن نفسي ومشاعري. ومع مرور الوقت، ومع مشاركاتي وتجربتي في الحفلات والفعاليات، بدأت أشعر أنَّ الموسيقى أصبحت جزءًا أساسيًا من شخصيتي وحياتي، وأنَّ لدي رسالة أريد أن أوصلها من خلال صوتي وفني. عندها أدركت أنَّ الغناء بالنسبة لي ليس مجرد موهبة، وإنما طريق أريد أن أستمر فيه وأطوّر نفسي من خلاله.
– درستِ الموسيقى، كيف أسهمت هذه الدراسة في تشكيل شخصيتك الفنية وطريقة تعاملك مع صوتك؟
دراسة الموسيقى كان لها أثر كبير جدًا في تكوين شخصيتي الفنية. فهي لم تمنحني المعرفة الموسيقية فقط، وإنما جعلتني أكثر وعيًا بصوتي، وبالأداء، والمقامات، والإيقاعات، وكيفية تقديم العمل بصورة صحيحة. كما ساعدتني الدراسة على فهم الموسيقى بشكل أعمق، وأصبحت أتعامل مع صوتي كأداة فنية تحتاج إلى التدريب والتطوير المستمر، وليس فقط كموهبة فطرية.
– تنوعت أعمالك بين أغانٍ عاطفية ووطنية وتراثية، من «وينك إنت» و«شطبة فؤادي» إلى «قال يقول» و«مزونية يا عمان» و«فرحة أهلنا». أي من هذه الأعمال تشعرين أنه الأقرب إلى «نورة»؟
كل عمل من أعمالي يحمل جزءًا مختلفًا من شخصيتي ومرحلة معينة عشتها، لذلك من الصعب أن أختار عملًا واحدًا فقط. لكن الأعمال الوطنية والتراثية لها مكانة خاصة جدًا في قلبي، لأنها مرتبطة بهويتي وانتمائي لعُمان. وفي المقابل، الأغاني العاطفية تسمح لي بالتعبير عن مشاعري بطريقة مختلفة. لذلك أعتقد أنَّ «نورة» موجودة في كل أعمالي، ولكن كل أغنية تُظهر جانبًا مختلفًا مني.
– لفتت «قال يقول» الأنظار باستلهامها لون المبم العُماني، ما الذي جذبك إلى هذه الأغنية، وكيف كانت تجربتك مع تقديم لون يستند إلى التراث الموسيقي العُماني؟
أكثر ما جذبني في «قال يقول» هو جمال الفن العُماني بحد ذاته وروحه الخاصة. ( فن المبم ) تشتهر به ولاية صور ووجدت أنَّ المبم يحمل إحساسًا عميقًا وقريبًا من الوجدان العُماني ويذكرني بجدي الراحل الفنان العماني (ثني السناني) كان يغني هذا في الفن منذ صغرنا في مختلف المناسبات واصبح قريبا مني جدا . كنت حريصة جدًا عندما قدمت هذا اللون على أن أحافظ على روحه وأصالته، وفي الوقت نفسه أقدمه بأسلوبي الخاص. التجربة كانت جميلة ومهمة بالنسبة لي، لأنها أكدت لي أن التراث العُماني غني جدًا، ويمكننا أن نقدمه بصورة معاصرة تصل إلى الجيل الجديد دون أن نفقد هويته.
– يبدو أنَّ للأغنية العُمانية والتراث حضورًا واضحًا في مسيرتك، ماذا يمثل لك هذا التراث، وهل تجدين في ألحانه وألوانه مساحة مختلفة لإظهار قدرات صوتك؟
التراث بالنسبة لي هو الهوية والذاكرة والانتماء. عندما أغني لونًا من ألواننا العُمانية أشعر أنني لا أقدم أغنية فقط، وإنما أساهم ولو بجزء بسيط في المحافظة على موروث جميل يجب أن يصل إلى الأجيال القادمة. وبالتأكيد الألوان العُمانية تمنح الفنان مساحات صوتية وأدائية مختلفة، وتتيح لي أن أكتشف جوانب جديدة في صوتي وأظهر قدراتي بطريقة مختلفة عن الأغاني الحديثة.
– تعاونتِ في أكثر من عمل مع الشاعرة هديل الغيلاني والملحن حمود الحراصي والموزع وهب الضنكي. كيف تصفين هذا التعاون، وهل أصبح بينكم مع الوقت انسجام فني خاص؟
التعاون مع هديل الغيلاني وحمود الحراصي ووهب الضنكي كان تجربة جميلة ومميزة جدًا، وأعتقد أنَّ أجمل ما في التعاون الفني هو أن يجتمع أكثر من فكر وإحساس لصناعة عمل واحد. ومع تكرار التجارب أصبح بيننا نوع من الانسجام وفهم مشترك لما أبحث عنه فنيًا، وهذا يسهّل كثيرًا عملية اختيار الأفكار والألحان والتوزيع. وأؤمن أنَّ نجاح أي عمل فني لا يعتمد على شخص واحد، وإنما على تكامل الفريق وروح التعاون بينهم.
– في أحدث أعمالك «فرحة أهلنا» ظهرتِ أمام الكاميرا في تجربة مختلفة عن الوقوف على المسرح. أيهما تشعرين أنه أقرب إليك: الغناء أمام الجمهور أم أمام الكاميرا؟
الغناء أمام الجمهور له إحساس مختلف تمامًا، لأنَّ التفاعل المباشر والطاقة التي أشعر بها من الجمهور لا يمكن وصفها. أما أمام الكاميرا فهي تجربة أخرى تحتاج إلى تركيز وحضور وتعبير مختلف، خصوصًا عندما يكون العمل مصورًا بطريقة تحكي قصة. أستمتع بالتجربتين، لكن أعتقد أنَّ المسرح والجمهور لهما مكانة خاصة جدًا عندي، لأنني أشعر هناك أنني أعيش الأغنية مع الناس في اللحظة نفسها.
– بعيدًا عن الأغنيات التي تقدمينها للجمهور، ماذا تحب نورة أن تغني عندما تكون وحدها؟ وهل هناك لون غنائي أو فنان ترك أثرًا خاصًا في ذائقتك؟
عندما أكون وحدي أحب أن أغني الأشياء التي أشعر أنها تعبّر عن مزاجي في تلك اللحظة، وأحيانًا أجد نفسي أعود إلى الأغاني القديمة والألوان الطربية التي أحبها. كما أنَّ التراث العُماني وتطويره حاضر دائمًا في ذائقتي، لأنه قريب مني ومن بيئتي. وبشكل عام أحب التنوع، وأستمتع بالاستماع إلى مدارس وتجارب فنية مختلفة، لأنَّ الفنان يتعلم ويتأثر بالكثير من التفاصيل من حوله.
– مع تنوع تجاربك الغنائية، هل ترغبين في الاستمرار في تقديم ألوان مختلفة، أم تشعرين أنَّ الوقت حان لتكوين لون وبصمة فنية خاصة؟
أؤمن أنَّ الفنان يجب أن يظل في حالة بحث وتجربة وتطور، ولذلك أحب أن أقدم ألوانًا مختلفة، لكن في الوقت نفسه أطمح أن يكون لي خط وبصمة واضحة يعرفني بها الجمهور. بالنسبة لي، التنوع لا يعني أن أفقد هويتي، بل أن أكتشف مساحات جديدة داخل شخصيتي الفنية مع المحافظة على أسلوبي وروحي الخاصة. وما زلت أشعر أنَّ أمامي الكثير لأقدمه، وأتمنى أن تكون المرحلة القادمة أكثر نضجًا وتنوعًا، وأن أقدم أعمالًا تترك أثرًا حقيقيًا لدى الجمهور.
الانستغرام: noura_alnadhiri




